عديدةً عانى منها المجتمع واصطلى بنارها، دون أن يتعلم منها دروسًا تمنع استمرار هذه الخديعة، ودون أن يكون لها رادعٌ أمام القضاء أو تشريعٌ يقضي عليها" [1] ."
وفيما يلي سرد ٌ لبعض نماذج هذه المشكلة:
أولا: تَقَمُّص البائع شخصية الملتزم للاحتيال على المشتري، كي يبيع له السلعة بثمنٍ غالٍ.
ثانيا: تقمص المشتري شخصية الملتزم للاحتيال على البائع، بحيث يعمِد إلى الظهور بمظهر التدين للتأثير على البائع وجره لبيع سلعته بثمنٍ أرخصَ، وهذه الصورة عكس الصورة الماضية.
ثالثا: استغلال المواسم الدينية للرفع الفاحش من ثمن بعض السلع.
رابعا: ادعاء بعض البنوك أنها إسلاميةٌ لاستجلاب الزبائن، والواقع أنها بنوكٌ تقليديةٌ تتحايل على الشريعة.
خامسا: كثرة الحلف أو الحلف كاذبًا، لرفع ثمن السلعة إن كان بائعًا، أو خفضها إن كان مشتريًا.
وكل هذه الصور ومثيلاتها محرمةٌ شرعًا وتَنُمُّ عن فساد طَوِيَّة المُقْدِم عليها، لأنه امتطى الدين لتسويق سلعته وتحقيق أغراضه التجارية؛ بل وإنَّ هذا الإفساد يطال ميادين أخرى كالزواج والوظائف ونحو ذلك، فتجد الموظف إذا أقبل على رب العمل الملتزم يتظاهر أمامه بالتدين لينال ثقته، وتجد الخاطب إذا حَلَّ على أهل مخطوبته يلبس ثوب الوقار ويتخلق بأخلاق الصحابة، حتى إذا نال بُغيته انقلب لحقيقته المزرية، وكذلك المخطوبة قد تتظاهر بالحجاب الشرعي والحشمة والوقار وقيام الليل، حتى إذا أمكنت قبضتها من عريس الغفلة كشرت عن أنيابها وخلعت رِبقة التدين [2] .
المطلب الثاني: نصوص شرعية في الباب.
لقد نهى الشرع عن مثل هذه الممارسات من خلال نصوص عديدةٍ، حيث نهى سبحانه عن معاوضة آيات الله تعالى بثمنٍ قليلٍ، وقد وردت في هذا الأمر آياتٌ قرآنيةٌ [3] منها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
(1) تجارة التدين، لمحمد بن سعود الجذلاني، جريدة الرياض، العدد 15857، الاربعاء 27 ذي الحجة 1432 هـ / 23 نوفمبر 2011 م.
(2) وقد رأيت جارًا لي قبل سنين ذاهبًا إلى المسجد، فإذا به يفاجئني قائلا:"ما لي معكم إلا مدةً معينةً أتظاهر فيها بحضور صلاة الجماعة أمام ذلك الرجل حتى يرضى بتزويجي ابنته"، كان هذا قبل خمسة عشر سنة من الآن، وإلى يومنا هذا لم ينعم ذلك الجار مع زوجه، ويحكي لي أنه يعيش معها الجحيم؛ إنها ضريبة التدليس على الناس بمظهر التدين!
(3) سورة البقرة، الآيات: 41 و 79 و 174. وسورة آل عمران، الآيات: 77 و 187 و 199. وسورة المائدة، الآية: 44. وسورة التوبة، الآية 9. وسورة النحل، الآيتان: 95 و 96.