تمهيد:
يَحْسن بنا أن نمهد لهذا الموضوع بأمرين مهمين، خصصت لهما الفرعيين التاليين:
الأول: حماية الشريعة للمتبايعين.
الثاني: الخيارات في البيوع.
الفرع الأول: حماية الشريعة للمتبايعين.
ومناسبة الكلام عنها في هذا الموضوع هو أن هذا الدين قد حمى الناس وشرع أمورًا لمصلحة المتعاقدين منها تحريم الغش والخلابة [1] والغدر والتدليس، لأن الناس لا ينفكون عن حاجتهم للبيوع، ولذلك تدخَّل الشارع الحكيم بفرض قوانين تقطع النزاع وتُيَسِّر التعامل بين المتعاقدين؛ فقد شجع الإسلام على التجارة النقية وحرم كل ما يعكر صفوها من ظلمٍ أو غررٍ أو ربًا، بل حرم بعض التعاملات حتى ولو رضي بها المتعاقدان، لأن الله أعلم بمصلحتهما من نفسيهما.
ويعتبر حفظ المال من مقاصد الشريعة، ولذلك أحاط الشارع البيوع بسياج الاحتياط لصالح المتعاقدين معًا، ليسد الذرائع أمام كل الصور التي من شأنها التسبب في النزاع، ولذلك حث القرآن الكريم على عدم غش الناس أو أكل أموالهم بالباطل كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [2] .
كما اعتنت السنة النبوية بهذا المقصد من خلال أحاديث نبوية منها قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:"فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" [3] ، حيث أكد صلى الله عليه وسلم على حماية المال، وقرنها بحماية الدم والعرض، أمام مائة ألفٍ من الصحابة وفي خير أيام السنة وبقاع الدنيا [4] .
(1) الهوامش والحواشي:
هي المخادعة، وقيل: الخديعة باللسان. لسان العرب، لابن منظور، 1/ 363.
(2) سورة النساء، الآية:29.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، 1/ 24. وأخرجه مسلم في صحيحه، 2/ 889.
(4) راجع: مقصد حفظ المال في التصرفات المالية ضوابطه وآثاره، لعلي موسى حسين.