الشرعي، كما يستحسن العناية بالمعايير الشرعية الصادرة عن الجهات المختصة؛ ولمعالجة هذه الطروحات سطرت المطالب التالية:
المطلب الأول: سلطة الفتوى على الأعمال الرقابية للمصارف الإسلامية.
المطلب الثاني: أنواع الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية وعلاقتها بالفتوى.
المطلب الثالث: بين الفتوى والتدقيق المصرفي الإسلامي.
المطلب الرابع: بين الفتوى المصرفية والمعايير الشرعية.
المطلب الأول: سلطة الفتوى على الأعمال الرقابية للمصارف الإسلامية.
يقتضي انتساب المصارف الإسلامية لهذا الدين أن تكون تابعةً لشريعته، وما تُنَصب الهيئات الشرعية إلا لهذا الغرض، ومن ثَم فلها سلطةٌ رقابيةٌ على العمل المصرفي، وهي خاضعةٌ بدورها للفتوى بقوة الشرع، ما دامت محتاجةً إليها في الإشارة على المصارف ومراقبتها. وتستمد هذه العلاقة جذورها من نصوص الوحيين، ومن ذلك قوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [1] ، فقد استفتي يوسف عليه السلام ثم أفتى بفتوى تنص على تدبير الشأن الاقتصادي، بِادِّخار محصول سنوات الري لسنوات القحط؛ وكذلك تفعل الهيئات الشرعية حين تفتي بفتاوى لتدبير الشأن المصرفي، بحيث تشير على المصرف بما يبقيه في دائرة الشرع، وتسعفه بأدواتٍ شرعيةٍ ترفع من مداخيله أو تَقيه من مغبة الوقوع في الخسائر المَهُولة.
وقد اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا"ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلاَ جَلَسَ فِي"
(1) سورة يوسف، الآيات: 46 - 49.