فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 41

اختلف العلماء المعاصرون في التكييف الفقهي لأعمال الهيئات الشرعية في المصارف، نظرًا لأنه تتجاذبها مجالاتٌ وصورٌ عدةٌ، فهي تقوم بعمل المفتي من خلال إبداء الاستشارات، وتقوم أيضًا بعمل المحتسب من خلال ممارستها دورًا رقابيًا على العقود التي تبرمها المؤسسة المالية مع عملائها، وتقوم أيضًا بعمل الأجير الخاص من خلال قيامها بإنتاج صيغ العقود المتسقة وأحكام الشريعة الإسلامية [1] ؛ قال محمد أنس الزرقا:"والمحصلة هي أن عمل الهيئة الشرعية بعضه فتوى، وبعضه شهادةٌ للجمهور بعدم مخالفة المؤسسة لأحكام الشريعة. لكن يلاحظ أن فتوى الهيئة الشرعية لها صفة الإلزام للمؤسسة، فهي بذلك أقوى من الفتوى عمومًا وأشبه بالقضاء، لكنها بخلاف القضاء لا تلزم غير المؤسسة" [2] ، وإن كان هذا ليس على إطلاقه.

إن تكييف عمل هذه الهيئات على أنه إفتاءٌ يَرِد عليه أن الفتوى ليست ملزمةً [3] ، لكن فتاوى هيئات الرقابة الشرعية لا انفكاك لها عن الإلزام، فهي تشبه الحكم القضائي، وإذا تجردت عن الإلزام صارت في حكم الهيئة الاستشارية. وسواءً أدت هذه الهيئات دور المفتي أو المستشار أو المراقب أو المدقق، فإن وجودها مجلبةٌ لثقة المتعاملين مع هذه المصارف في التزامها بالشريعة، باعتبار أن المفتي أو الرقيب الشرعي يتحمل هذه المسؤولية عنهم، وإذا لم يعترض فالأمور على ما يرام [4] .

المبحث الأول: مظاهر أثر الفتوى على الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية.

تتمتع الفتوى بسلطةٍ على المصارف الإسلامية أصالةً، وعلى الهيئات الرقابية تبعًا؛ لأن هذه المؤسسات ألزمت نفسها بالشريعة الإسلامية بحكم الاسم الذي تحمله. والرقابة المصرفية أنواعٌ تتدخل الفتوى في كل أطيافها ولا تستطيع أن تبقى بمعزلٍ عنها، ولاكتمال هذه العلاقة يجب الفصل بين العملية الإفتائية وبين تنزيلها في التدقيق

(1) هيئات الفتوى والرقابة الشرعية ودورها في المصارف الإسلامية، بحث لعبد المجيد محمود الصلاحين.

(2) الهيكل الشرعي للصناعة المالية الإسلامية، بحث لمحمد أنس الزرقا.

(3) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، 1/ 31.

(4) تقويم عمل هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الاسلامية، للجنة من الأساتذة الخبراء الاقتصاديين والشرعيين والمصرفيين، ص 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت