تدعو الحاجة إلى تقويم أعمال هيئات الفتوى، بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا عليها [1] ، وإن الغالب عليها أن دورها لا يتجاوز الإفتاء النظري وتبقى بعيدةً عن متابعة أعمال المصارف [2] ، حيث فرض النمو السريع للمصارف الإسلامية إيقاعًا عاليًا على هذه الهيئات بالأخص مع قلة أعضائها وانشغالاتهم، فصار يصعب عليها متابعة مدى التزام إدارات المصرف بالفتاوى التي تصدرها، وتحتم لأجل ذلك تكليف أجهزةٍ أخرى بهذه المهمة، وهي هيئات التدقيق الشرعي، لتشرف على متابعة تنفيذ الفتاوى وتدقيق المعاملات [3] .
يعتبر التدقيق من مهام هيئة الرقابة الشرعية للمؤسسة، لكن ظهر من خلال دراساتٍ أنها غَلَّبت جانب الفتوى على التدقيق، فأصبحت تبدع وتراكم الفتاوى على حساب ضعفٍ في الناحية المهنية الفنية المتمثلة في ممارسة التدقيق الشرعي [4] ، فالغرض الأساسي من الفتوى هو التنفيذ، كما قال ابن القيم:"فالمفتي محتاج إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ" [5] . وفي هذا الصدد يقول محمد أنس الزرقا:"إن إصدار الفتاوى وإنشاء المعايير الشرعية يتطلب علمًا ومهارةً تختلف عما يتطلبه مراقبة تطبيق المؤسسات لتلك المعايير، وهذا نظير ملاحظة أن وضع قواعد سير المركبات في الطرق العامة يتطلب مهارات مهندسي الطرق وخبراء المواصلات، بينما مراقبة تقيد السائقين بتلك المعايير يتطلب مهارات ضباط المرور" [6] . وقد أوجد التساهل في هذا الأمر خللًا ملحوظًا في عمل بعض الهيئات الشرعية حتى صار العملاء يُقْبلون على منتوجاتٍ على أنها مجازةٌ من الهيئة والواقع أن أعضاءها يفتون على المنابر بتحريمها، ناهيك عن عدم التناسب
(1) اختبار الفتاوى المالية: هل المشكلة في الفتوى أم في التطبيق، لرفيق يونس المصري، ص 16 - 29.
(2) راجع: أثر الرقابة الشرعية على التزام المصارف الإسلامية بالأحكام الشرعية، بحث لعبد الرزاق الهيتي.
وأيضا: الحاجة إلى تقنين الرقابة الشرعية، بحث لعبد الستار الخويلدي.
(3) راجع: الفصل بين الفتوى والتدقيق تحديات ومعوقات حوكمة المؤسسات المالية الاسلامية، بحث لعبد الباري مشعل.
(4) الالتزام الشرعي للبنوك الإسلامية، محاضرة لعبد الباري مشعل، حوالي الدقيقة 11.
(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين، 4/ 156، مرجع سابق.
(6) الهيكل الشرعي للصناعة المالية الإسلامية، مرجع سابق.