ثالثا:أن الإسلام لا يتحقق في الارض الا من خلال
منهج الاسلام لا اى منهج سواه
يقول العلامة الشهيد سيد قطب ( يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدًا أنه - كما إنه في ذاته دين رباني - فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك . متواف مع طبيعته ، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل .
ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين - كما إنه جاء ليغير التصور الاعتقادي ، ومن ثم يغير الواقع الحيوي - فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الذي يبنى به التصور الاعتقادي ، ويغير به الواقع الحيوي .. جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة .. ثم لينشئ منهج تفكير خاصًا به ، بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصورًا اعتقاديًا وواقعًا حيويًا . ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص ، وتصوره الاعتقادي الخاص ، وبنائه الحيوي الخاص .. فكلها حزمة واحدة ..
فإذا نحن عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه ، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل ، وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى ، إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين - في أي وقت - إلا به .
ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني وإلى الحياة الربانية ، إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك ، المنهج الذي أراد الله أن يقيم منهج تفكير الناس على أساسه ، ليصح تصورهم الاعتقادي وتكوينهم الحيوي . إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجًا إلهيًا ، جاء ليقرر ألوهية الله في الأرض ، وعبودية البشر جميعًا لإله واحد ، ويصب هذا التقرير في قالب واقعي ، هو المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد ، بالعبودية لرب العباد ، فلا تحكمهم إلا شريعة الله ، التي يتمثل فيها سلطان الله ، أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته .. فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه ، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسي ، أو أوضاع الناس الاجتماعية .. إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو ، واعتباره نظامًا محليًا في وطن بعينه فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية !
هذا تصور .. وذاك تصور .. ولو أن الإسلام في كلتا الحالتين سيجاهد .. ولكن التصور الكلي لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه ، يختلف اختلافًا بعيدًا ، يدخل في صميم الاعتقاد كما يدخل في صميم الخطة والاتجاه .
والإسلام ليس مجرد عقيدة ، حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان . إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس ، والتجمعات الأخرى لا تمكِّنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو ، ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرير العام ، وهذا - كما قلنا من