وذلك أن الناس إذا رأوا قبرًا مزينًا وعليه الستور والسُّرج والقباب، وزُيّن بالرخام ونحوه؛ تعلقت قلوبهم به، ولبّس عليهم شياطين الجن، وشياطين الإنس من السدنة ونحوهم، فأوقعوا في قلوبهم أن هذا الولي أو الرجل الصالح المقبور، يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الضرر، ويشفع لهم عند الله . ثم لا يلبثوا حتى يقعوا في الفتنة والشرك.
ومن أجل ذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد . فعن جندب-رضي الله عنه- قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك ) (1) . وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا ) قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا (2) . وعنها: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله ) (3) . فهذه الأحاديث الصريحة الصحيحة، قاضية بتحريم اتخاذ قبور الأنبياء أو الصالحين مساجد، سواءٌ بالبناء عليها، أو بدفن الميت فيها . وأما الطواف على القبور، وسؤال المقبورين، ودعائهم والاستغاثة بهم من دون الله فهو جحدٌ لحق الله، وشركٌ يحبط العمل .
(1) . رواه مسلم (532)
(2) .رواه البخاري (1330) ، ومسلم (531)
(3) . رواه البخاري (434) ، ومسلم (528)