وأما مشركي اليوم فإنهم إذا حلت بهم الخطوب أو حل بهم البلاء دعوا أوليائهم وساداتهم ومشايخهم يطلبون منهم الغوث، ويسألونهم كشف البلاء . فهذا يقول: مدد يا جيلاني، وهذا يقول: أغثني يا بدوي، وهذا يدعو الحسين، وهذا ينادي شيخ طريقته ويسأله التوبة والمغفرة وهذا كله شركٌ بالله عز وجل . فمن يجيب المضطر إلا الله، ومن يكشف السوء إلا الله، ومن يدفع الضر إلا الله، ومن يجلب النفع إلا الله، ومن يشفي المريض إلا الله . قال تعالى -حاكيًا قول إبراهيم عليه السلام-: { وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيينِ . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } (1) .
ومنشأ ضلال هؤلاء القوم-والله أعلم- أنهم لما أذنبوا وظلموا أنفسهم ظنوا أنهم ليسوا أهلًا لئن تُقضى حوائجهم أو تُرفع دعواتهم إلا عن طريق وسائط فيهم من الصلاح والتقى ما يكون أدعى لقبول طلبهم وقضاء حوائجهم . وغفل أولئك القوم عن ربهم وأنه سبحانه غير محتاج إلى من يرفع إليه حاجات عباده، فهو المطلع عليهم، العالم بخفاياهم { يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } (2) .
وهو قريبٌ منهم -بعلمه- يسمع كلامهم ويرى مكانهم . فقد روى أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده ) (3) .
وخلاصة القول: أن الدعاء والاستغاثة عبادات، والعبادة لا تكون إلا لله الواحد الأحد لا شريك له، ومن دعا أو استغاث بغيره كائنًا من كان فقد أشرك؛ ومن أشرك بالله فقد خسر خسرانًا مبينًا .
(1) . الشعراء (80-82)
(2) . التغابن (4)
(3) .رواه البخاري (2992) ، ومسلم (2704)