أما وصفهم بأنهم الجماعة فهذا لأجل أنه ورد الحديث المعروف أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -حديث معاوية وغيره- قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين وفرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة» ، وهذا الوصف الجماعة جُعل مقابلا لافتراق الفرق كلها عن السنة.
فإذن يكون على هذا وصف الجماعة مقابَلا بفرقٍ افترقت عن السنة، فيكون إذن مجموعة بالالتزام بالسنة والابتعاد عن البدع.
ولهذا قال العلماء الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وقالوا: الجماعة ما كان عليه الأمر الأول. وقالت طائفة: الجماعة كما كنت عليه صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تبعه.
وهذا راجع إلى معنى الاجتماع في الدين والاجتماع والجماعة تقابل بالفرقة، يقابل الجماعة الفرقة، يقال: اجتماع وافتراق، وجماعة فرقة.
والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثبت عنه أنه قال «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» فقابل بين الجماعة والفرقة.
والافتراق يكون في الدين ويكون أيضا في الأبدان:
لهذا جاء في الآيات ذكر الافتراق في الدين ?إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا? [الأنعام:159] ، ?وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ? [آل عمران:105] ، والآيات في هذا كثيرة، فذكر الافتراق عن أصل الدين كما قال في سورة الشورى ?أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ? [الشورى:13] ، يعني لا ينزع كل واحد إلى شيء من الدين ويذهب إليه ويترك البقية ويكون مبتدعا يأتي بأشياء جديدة، فهذا افتراق وتفرق عن أصل الدين، هذا نوع.
فيكون ما يقابل هذا الافتراق من اسم الجماعة هو أن يكون مجتمعا على ما كان عليه الأمر الأول لا يأخذ بقول فرقة من الفرق.
وهنا قاعدة عظيمة في معرفة ما به يكون الافتراق، وتستدلّ به على الافتراق، أن الافتراق في تاريخ المسلمين إنما يحصل بالفتن، إذا حصلت فتنة، إذا حصل هناك فتن في حياة المسلمين يحصل افتراق، بدأ من مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم مقتل علي إلى آخره، فتزداد الفرقة ويزداد الاختلاف بحدوث أمر عظيم في الأمة.
فمن أسباب حدوث الفرقة في الدين حدوث أمر عظيم في الأمة.