فإذا كان الاستحلال للحكم يعني استحلال للمحرم؛ يعني أن يعتقد أن هذا المحرم حلالا، وأما إذا كان الاستحلال للفعل يعني جعل فعله حلالا له، ليس من جهة أنه ليس حراما عليه؛ لكن من جهة إقدامه عليه وفعله له؛ يعني استحله من جهة الفعل لا من جهة الحكم قالوا هذا هو حال أولئك، وهذا الذي يناسب الوعيد لأن الوعيد الذي جاء في آخره يناسب العصاة لا الكفار.
فمن هنا يظهر لنا أن لفظ الاستحلال خاض فيه أقوام كثير في هذا الزمن، ومنهم من تكلم في الاستحلال الظاهر وأن المعاصي الظاهرة قد تكون استحلالا؛ يعني يستدل بظهور الذنوب والكبائر على أن الحال استحلال لها ... عندهم واستدلوا عليه بأشياء.
وهذا عند أهل العلم غير مسلَّم، أن هناك ألفاظ تتصل بهذا البحث، ومن أهمها لفظا الالتزام والامتناع؛ لأن الالتزام والامتناع راجع إلى الاعتقاد.
والالتزام معناه قبول الحكم، والامتناع معناه رد الحكم، وليس الامتناع هنا الطائفة الممتنعة، امتنع من أداء كذا، بمعنى منع، فالامتناع يقابل في نصوص أهل العلم بالالتزام، والالتزام معناه القبول وهو غير الجحد؛ يعني القبول هو أن يكون ملتزما بهذا، يعني أن يكون مخاطبا بهذا.
فمثلا نقول فلان من الناس ملتزم بأحكام الشريعة، فلان من الناس ملتزم بتحريم الزنا؛ لكن يزني، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أنه إذا التزم حرمة الزنا فمعناه يقول نعم أنا مخاطب بأن الزنا محرم وأنا داخل في هذا الخطاب، صحيح، لكن فعله يكون له حكم أهل الكبائر.
أما إذا قال أنا غير مخاطب أصلا كحال الذي نكح امرأة أبيه في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديث أبي بردة المعروف فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسل إليه رجلا ليضرب عنقه وبخمس ماله هل لأنه استحل بالفعل؟ لا، قال العلماء لأنه لم يلتزم الحكم، وكان ذلك الحكم في الجاهلة، فلما نزل قول الله جل وعلا ?وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ? [النساء:22] وخوطب بذلك لم يلتزم وسار على ما كان عليه في الجاهلية، فدل فعله على أنه لم يلتزم، ولا يقال دل فعله على استباحته، دل الفعل على عدم التزامه بحكم الشريعة الجديد الذي يلغي حكم الجاهلية.
ولهذا يتكلم العلماء على الطائفة الممتنعة ويقابلون بين الامتناع وعدم الالتزام.