فهذا ناقض قولي رجع على إيمانه بتوحيد الإلهية بالإبطال؛ لأنه حين قال لا إله إلا الله وأن الله واحد في إلهيته لا يستحق العبادة إلا هو، حين دعا غيره نقض قوله ذاك بقول آخر، فهو دعا غير الله فإذا قلت إن الله متوحد في الإلهية فأنت دعوت غيره، فإذن بهذا القول نقض ذلك القول.
في الأسماء والصفات فالذين ينكرون أسماء الله جل وعلا وينكرون صفاته ويقولون إن الله جل وعلا معطّل عن الأسماء والصفات كقول الجهمية وأشباههم ممن ليس لهم تأويل أصلا، ينكرون جميع الصفات، وكبعض غلاة الصوفية الذين يقولون بوحدة الوجود وأشباه ذلك، المقصود التمثيل لا التفصيل.
إذا قلنا الملائكة، آمن بأن الله جل وعلا له خلق جعلهم مسخّرين لبعض ما يشاؤه الله جل وعلا من أعمال، فكذّب بالملائكة، قال: الملائكة غير موجودين. فهنا صار بقوله مكذبا لوجود الملائكة فرجع بذلك إلى إيمانه بالإبطال.
كذلك الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أن يجحد رسالته؛ يعني يقول -يعني يتكلم بلسانه ليس الجحد القلبي- يتكلم بلسانه بأنه ليس رسولا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، أو بأن النبوة كذا وكذا، ونحو ذلك من الأقوال التي تعود على النبوة بالإبطال، فنقول هذا ناقض قولي رجع على النبوة.
كذلك ناقض قولي يرجع على الكتاب القرآن في الاستهزاء.
وكذلك ناقض قولي يرجع إلى الرسالة في الاستهزاء ونحو ذلك.
هناك من الناس ومن أهل العلم من قال: لا بد في الكفر من شرح الصدر، لا ينتقض الإيمان إلا بأن ينشرح صدر ذلك للكفر، وهذا معناه أنه لا يكفر عندهم إلا المعاند؛ يعني الذي يعلم الكفر ويقول أنا أختار الكفر.
لكن المستهزئ هم قالوا ?إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ? [التوبة:65] ، وهذا الاستهزاء يرجع على قول من قال لابد من شرح الصدر بالإبطال، والآية التي فيها شرح الصدر إنما هي في حال المكره ?إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا? [النحل:106] ، فهي في حال المكره الذي يكره وينشرح صدره للكفر، فهي في بعض أحوال الكفر ليست هي قاعدة الكفر.