المعتبر عنده إنما هو ما يقوم في نفس الفاعل من العلم والجهل فمن فعل ما فعل وهو عالم بحكم فعله فإنه ينطبق عليه ذلك الحكم إذا انتفت عنه الموانع ولا فرق في ذلك بين حديث العهد بالكفر وبين غيره ومن فعل ما فعل وهو لا يعلم بحكم فعله فإنه لا ينطبق عليه ذلك الحكم ولا فرق في ذلك أيضا بين حديث العهد بالكفر وبين غيره.
الوجه السادس: وهو في الجواب عن قولهم إن الإعذار بالجهل في كلام ابن تيمية محمول على من كان حديث عهد بكفر، أو نشأ في بلاد بعيدة فيقال: إن من يتأمل كلام ابن تيمية يدرك أن العذر بالجهل في مسائل الشرك ليس خاصا بحديث العهد بالكفر، أو بمن كان يعيش في بلاد بعيدة عن العلم بل هو حكم عام في كل من جهل الحكم الشرعي جهلا معتبرا وهذا التقرير يدل عليه عدة أمور منها:
الأمر الأول: صِيَغُ كلام ابن تيمية وعباراته فإن ابن تيمية كثيرا ما يقرر العذر بالجهل ثم يضرب أمثلة على من يعذر بالجهل بمن كان حديث عهد بكفر، أو من كان في بلاد بعيدة وهو إنما ذكر هؤلاء هنا على جهة التمثيل لا على جهة قصر الحكم عليهم وهذا ما يدل عليه ظاهر عباراته فإنه تارة يستعمل كلمة"مثل"وتارة يقول بعد ذكره لحديث العهد بالكفر:"أو نحو ذلك"وهذا يدل على أنه إنما ذكر ما ذكر للتمثيل لا لقصر الحكم عليهم فقط.
فمن يتأمل في جميع النصوص التي يذكر فيها العذر بالجهل يدرك أنه إنما يذكر حديث العهد بالكفر، ومن يعيش في بلاد بعيدة عن العلم للتمثيل فقط وليس لقصر الحكم عليهم فلو كان ابن تيمية يرى أن الحكم مقتصرا عليهم فما الذي منعه من التصريح بذلك مع كثرة كلامه في هذه المسألة.
الأمر الثاني: أنه لو كان يرى أن الحكم خاص بمن ذكر لما استدل بقصة قدامة بن مظعون في الإعذار في مثل المسائل الظاهرة فإنه رضي الله عنه لم يكن حديث عهد بكفر ولا أصحابه فدل هذا على أن ابن تيمية يرى أن الإعذار في مثل تلك المسائل عام لكل من قام به وصف الجهالة الذي يعذر به مثله ولا فرق عنده بين حديث العهد بالكفر، وبين من كان أبواه مسلمين في أصل الإعذار بالجهل.
الوجه السابع: وهو في الجواب على من يقول إنه لا يعذر أحد