الصفحة 23 من 24

بالجهل في هذا العصر؛ لتيسُّر سبل العلم وانتشارها فيقال: إن هذا القول اشتمل على خطأ منهجي كبير أكثر ابن تيمية من نقده وبيان الغلط فيه وهذا الخطأ هو: الاستدلال على وجود الشيء بمجرد الإمكان ومعنى هذا: أن بعض الناس حين يريد أن يثبت تحقق وجود الشيء في الخارج لا يذكر من الأدلة إلا ما يفيد أنه أمر ممكن وهذا ما وقع فيه الذين يقولون بأنه لا يعذر أحد بالجهل في مسائل الاستغاثة؛ لأن العلم قد انتشر في هذه الأزمان وذلك أن حقيقة قولهم أنهم حكموا بتحقق العلم عند كل الناس اعتمادا على إمكان العلم فدليلهم الذي استندوا عليه هو إمكان العلم في هذا العصر، أو من بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلما كان التحصل على العلم ممكنًا فإنه لا بد أن يحكم ببلوغه لكل أحد وهذا مكمن الغلط في ذلك التقرير.

ثم يقال: من ذا الذي يستطيع أن يجزم بأن العلم الصحيح الذي يرتفع به العذر قد بلغ كل المسلمين فمن يستطيع أن يقول إن العلم الصحيح قد بلغ إخواننا من العرب والعجم في أفريقيا الذين يستغيثون بالقبور أو بلغ إخواننا في آسيا أو غيرها من أصقاع الأرض؟!.

ثم يقال: إن الإحساس بضرورة طلب العلم إنما تنشأ بعد شعور الإنسان بكون ما هو عليه مخالف للشريعة فبالله عليكم كيف يمكن لمن يفتيه عالم بلده، ومفتي دياره، وخطيب مسجده بأن ما هو عليه عين الصواب، وأنه مبلغه لا محالة إلى الجنة كيف يمكن لمن هذه حاله أن يستشعر ضرورة السؤال، أو يستشعر أن ما هو عليه مخالف لدين الله تعالى أو حتى يقبل ما يخالف ما أفتاه به شيخه الذي وثق به وسلم له أمر دينه.

ولا يصح أن يقال هنا إنه لا يشترط أن يبلغه العلم لأن التوحيد أمر فطري لأنه يقال إن الفطرة لا تعني أن يعرف الإنسان المسلم كل ما هو من أصول التوحيد، وأن يعرف كل ما يخالفه وإنما تعني فقط أن الإنسان مخلوق خلقة تقتضي عبادة الله وحده دون ما سواه وهذا القدر لا يلزم منه أن يعرف الإنسان حكم الاستغاثة بالقبور، وأنها كفر أكبر يخرج من الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت