الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب.
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة"الفتاوى (12/ 487) ."
وقبل ذلك كله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمل هذا الأسلوب أيضا فعن أنس بن مالك قال:"لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها". فاللعن هنا لعن مطلق ولم يذكر أنس أنه استثنى أحدا في هذا النص ومع هذا فقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة مع أن كلامه مطلق وهذه الأحاديث اعتمد عليها ابن تيمية في بناء القاعدة في التفريق بين حكم الفعل وحكم الفاعل وفي هذا يقول:"ثبت في صحيح البخاري أن رجلا كان يدعى حمارا، وكان يشرب الخمر، وكان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه فأتى به إليه مرة فقال رجل لعنة الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله". فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللا ذلك بأنه يحب الله ورسوله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر مطلقا فدل ذلك على أنه يجوز أن يُلعن المطلق، ولا تجوز لعنة المعين الذي يحب الله ورسوله"المنهاج (4/ 569) .
ثم قال بعد ذلك:"ولو كان كل ذنب لُعن فاعله يُلعَن المعين الذي فعله لَلُعن جمهور الناس وهذا بمنزلة الوعيد المطلق لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه وهكذا اللعن"