أما النص الأول: وهو قول ابن تيمية:"وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى يعلمون: أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين" (14) .
فهذا النص لا يدل على التفريق يبين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في العذر بالجهل ولا يصح أن يؤخذ منه ذلك وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن من يتأمل سياق النص يدرك أن ابن تيمية لم يقل هذا القول ليثبت التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في أصل الإعذار بالجهل ولم يقله ليحقق الحكم على أعيان أئمة المتكلمين وإنما قاله في سياق وصفه لحال أهل البدع والكلام من جهة الوقوع في المخالفات الشرعية الكبيرة فذكر أنه ما من إمام من أئمتهم إلا وله قول يكفر به وهذا الوصف يذكره ابن تيمية في مواطن متعددة من كتبه ثم ذكر أن هذه الكفريات التي وقع فيها أئمة الكلام ليست من الأمور الخفية فإنها لو كانت في هذه الأمور لهان الأمر ولقلنا إنهم معذورون في عدم الوصول إلى حكمها، ولكن تلك الكفريات تكون في أمور ظاهرة يعلم كل أحد أنها مخالفة لدين الله تعالى حتى اليهود والنصارى! فهو يريد أن يصف حال هؤلاء الأئمة فقط وليس هو في معرض تقسيمه للمسائل ولا في معرض تحديد سبب حكمه على هؤلاء وإنما يريد أن يبين فضل حال أهل السنة على حال هؤلاء وهذا ما يدل عليه سياق كلامه وهو كما يلي:"وأيضا المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال: إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان. ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق"