وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له؛ فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول" (13) فهذا النص مهم في هذه المسألة من جهة أنه اعتبر النسبية في حصول العلم ومرادفاته ومن جهة أنه بين المناط الحقيقي في تعلق الحكم وهو بلوغ الحجة فكل من بلغته الحجة البلوغ المعتبر فإن حكم الفعل ينطبق عليه ولو كان حديث عهد بكفر وكل من لم تبلغه الحجة -التي يرتفع بها وصف الجهالة - فإنه حكم الفعل لا ينطبق عليه ولو كان يعيش في بلاد المسلمين."
وهذا الأصل اعتمد عليه ابن تيمية كثيرا في تقرير كثير من أقواله وفي نقض كثير من أقوال الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم ولهذا تراه يكرر ذكره في مواطن كثيرة وكثيرا ما كان يكرر ابن تيمية أن الأمور المعلومة من الدين بالضرورة من الأمور النسبية التي تختلف من شخص لآخر ومن ذلك قوله:"كون الشيء معلوما من الدين ضرورة أمر إضافي فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية فضلا عن كونه يعلمه بالضرورة وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو وقضى بالدية على العاقلة وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة وأكثر الناس لا يعلمه ألبتة"الفتاوى (13/ 118) .
وقد بين ابن تيمية مستنده في هذا الأصل، وهو أن أوصاف الإدراك كالعلم والجهل واليقين والظن والظهور والخفاء ليست أوصافا قائمة بالأشياء، بحيث تكون ملازمة لها لا تنفك عنها وإنما هي أوصاف قائمة بالأنفس عن الأشياء وما يقوم بالأنفس عن الأشياء يختلف باختلاف أحوال تلك الأنفس فقد يكون الشيء ضروريا عن عمرو لقيام الأسباب التي تجعله كذلك عنده ولكنه يكون مظنونا عند زيد لقيام الأسباب التي تجعله كذلك عنده.
وهذا التقرير من ابن تيمية ليس فيه التسليم بالنسبية الذاتية التي يقول بها السوفسطائية والتي تقتضي الحكم على كل الأقوال بالصحة وعدم البطلان وإنما فيها اعتبار لأحوال الأنفس وطبيعة الأوصاف المتعلقة بالإدراك.
وبيان ذلك أن يقال: إن الأوصاف المتعلقة بالإدراك كالعلم والجهل مثلا فيها جانبان مهمان وابن تيمية يفرق بينهما تماما هما: