لأن القرآن المجيد هو أفضل معيار لمعرفة صدق الأخبار أو كذبها، إلا أنه للأسف لم يقم أحدٌ حتى الآن بمثل هذا العمل [أي عرض الأخبار على كتاب الله] ، ونحن لم نُصادف حتى الآن كتابًا ألفه أحد علماء الإسلام وقام فيه بمقارنة ومطابقة الأحاديث على القرآن للتعرَّف على صحيح الحديث وسقيمه بهذا المعيار. نعم، العمل الوحيد الذي تمَّ القيام به لتشخيص الأحاديث الصحيحة والسقيمة هو وضع علم الدراية وإحداث علم الرجال لكشف حال الحديث من خلال معرفة وضع رواته وأحوال ناقليه، فمثلًا إذا كان الراوي كذا وكذا اعتُبر الحديث صحيحًا، وإذا كان الراوي كذا وكذا اعتُبر مُوَثَّقًا وإلا اعتُبر ضعيفًا أو مُرْسَلًا أو مجهولًا.
وينبغي أن نعلم أن علم الدراية أُسِّس في القرن الهجري الخامس تقريبًا، وأول تأليف ظهر في هذا المجال، طبقًا لما ذكره المرحوم «السيد حسن الصدر» في كتابه «الشيعة وفنون الإسلام» هو الكتاب الذي ألفه أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيشابوري (المتوفى سنة 405 هـ) في خمسة مجلدات وسمَّاه «معرفة علم الحديث» .هذا ورغم أن هذا العمل لم يكن باستطاعته أن يُنقذ المُحدِّثين بشكل كامل ويحفظهم من الوقوع في هاوية نقل الأكاذيب والمُفتريات، لأنه رُبَّ شخصٍ يتمتَّع - حسب الظاهر-بصفات راوي الحديث الصحيح، ومع ذلك يكون الخبر المنقول عنه مخالفًا لكتاب الله، كما نجد هذا العيب في بعض الأحاديث الصحيحة، ثم إن الذي يريد وضع حديثٍ يُمكنه أيضًا أن يضع سنده ويجعله مؤلفًا من سلسلة من الرجال ذوي السمعة الحسنة لأنه لم تبقَ رسالةٌ أو كتابٌ لأولئك الرواة كي يُمكن مطابقة الحديث معها عليها، حتى يتضح كذب الحديث المُفترى. كما أن كتب الحديث ليست معدودةً أو محدودةً حتى يكون من غير الممكن الخروج من حدودها، بل إننا لنرى أنه في كل يوم يظهر كتابُ حديثٍ جديد لم يكن لنا علمٌ به من قبل، ونسمع أحاديثلم نسمع بها قبل!