فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 71

فهذه الأحوال التي تعرضوا لها حَرِّية بدراسة أسبابها، فإن الخط العام الذي كان عليه الناس اتباع السنة، فمن خالفها تعرض للإنكار، فهؤلاء إذن خالفوا الأمة؛ أي أنهم أتوا ببدعة استوجبت هذا النكير، ليس من إمام واحد، بل من كثير من الأئمة السنة، ولا في بلد واحد، بل في كثير من البلاد، ولا في قرن واحد، بل في كل القرون.. وكان هذا منذ ابتداء أمرهم في نهاية الثاني وبداية الثالث الهجري، أي لما كانت السنة مهيمنة.

وكلما كانت السنة مهيمنة: كان بلاؤهم ومحنتهم أشد. والعكس بالعكس..

فمثل الحلاج لم يسلم من القتل، ومن كان معه على مذهبه: اضطر لنفي ما نسب إليه، أو التخفي، أو الهروب.. لكن مثل: ابن عربي، وابن الفارض، والتلمساني، والقونوي، وابن سبعين. كانوا يقولون مثلما قال الحلاج وزيادة، ولم يلحقهم ما لحق الحلاج..!!.

لا يبعد أن يكون طرف من هذه الأخبار، قد نسج على بعض الأئمة، كالجنيد، والداراني، والتستري، كما نسجت أقوال على آخرين، فنسبت إليهم، وهم منها براء.

وإثبات أو نفي نسبة هذه الأخبار والأقوال، إلى هؤلاء المشايخ، يحتاج إلى بحث مستقل، ليس محله هذه الدراسة.. فهذه الدراسة معنية بالأقوال ذاتها، لا بأصحابها.

فإذا ما قيل: وهل الأقوال إلا بأصحابها ؟.

قيل: هذه الأقوال، التي هي شطحات، مسطرة في كتب الصوفية، يتناقلونها فيما بينهم، قد صارت الجزء الأساس من التراث الصوفي، يحتجون بها، ويستندون إليها، بل ويتفاخرون بها، ويدعون إليها، ويجعلونها من الغايات، ومن الحقائق.

وأما عدم ثبوتها عن هذا أو ذاك من المشايخ، فذلك أمر لا يهم هؤلاء المتصوفة؛ فقد كتبوها، ونقلوها، وهم بالتأكيد يعتقدون بها، ولولا ذلك ما نشروها، وما ذبوا عنها.

وهؤلاء يمثلون اتجاها عاما في التصوف، هو الأظهر، وهو المسيطر على ساحة التصوف، بل التصوف لا يعرف إلا بهم، ومن خلال ما يتكلمون، وينقلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت