وفي كلام الجنيد (ربما المنسوب إليه) ، والحلاج، ابن عربي تفصيل لهذا المعنى. (1)
فلما وجدت هذه المخلوقات، انفصلت وانفصل الإنسان عن الذات الإلهية، فحصل ما حصل من الشقاء والألم، وليس ثمة طريق للتخلص من هذا الحال، إلا بالعمل على الرجوع إلى الحال الأول، حالة الاتحاد. فغاية التصوف تخليص الروح من الجسد، وفك هذا الامتزاج، وبه يكون رجوعه إلى معدنه الأول وفناؤه فيه، واتحاده وبقاؤه به، وهو أن يرجع العبد إلى أوله، فيكون كما لم يكن، ويبقى من لم يزل، وهو تعبير صوفي ومعناه: الاتصال بالله تعالى.
فإذا وصل هذه المرتبة رجع إلى الزمن السرمدي الأزلي؛ إذ لم يكن إلا الله تعالى، ولم يكن ثمة شرع: لا أمر ولا نهي، فيخضع لأحكام ذلك الزمن، في: الاتحاد بالله، والفناء بالله، والبقاء بالله.
هذا أصل مسألة التصوف؛ ولذا قالوا: بالحلول، والاتحاد، والوحدة. وفي هذا المعنى ما يدل على أن التصوف في حقيقته: حلول واتحاد حقيقي، وليس شعوريا. ومن المؤكد:
أن من المتصوفة من يعتقد هذا الحقيقي، ويصرح به.
ومنهم من يضمره، ويستتر بالشعوري منه.
ومنهم من لا يؤمن إلا بالشعوري وحده.
ومنهم من لا يؤمن بشيء من ذلك، بل تصوفه فناء في الشهود لا غير.
ومنهم من تصوفه فناء في الإرادة وحده.
وكل هؤلاء موجودون في التصوف، والحقيقة تنطق بأن التصوف هو الأول من هذه الأنواع.
وهذه - أصل الفكرة - مسألة كبيرة، تستحق بحثا مستقلا، وما كان منها ضروريا لهذه الدراسة، التي نحن فيها:"موضوع التصوف"، لاستكمال جوانبها، وبيان ما خفي منها، فقد سقناه آنفا.
وإلى هذا الحدّ تكون الدراسة قد توصلت إلى نتائج مهمة:
بالتدليل عليها، والاستناد إلى حقائق من كلام المتصوفة، وتقريراتهم.
(1) - انظر: رسائل الجنيد ص42، بنية العقل العربي ص358، في التصوف الإسلامي وتاريخه ص133، ديوان الحلاج ص30، سير أعلام النبلاء 14/32، الفتوحات المكية1/117-118، 2/642،643.