فجهله قد يحمله على الظن بصحة، وجواز أن يبلغ أن يقول عن نفسه: أنا الله. مستعملا في ذلك الأعذار التي ساقها الصوفية، ونظروا لها، كقولهم: إن المحب العاشق يبلغ به الحب والعشق، أن يتحد بمحبوبه. فيظن هذا الجاهل: أن هذا ممكن في حق الله تعالى. ولا يدري أن هذا كفر، ليس له مسوغ. ورحمة الله تعالى قد وسعت الجاهل.
وسكره قد يحمله على الشطح، وهو وإن كان ناتجا عن نظرية مستقرة في النفس حال الصحو، إلا أن نطقه بها حال السكر، لا يؤاخذ به؛ كون السكران مرفوع عنه القلم.
فهذه الأحوال والأعذار قد تدفع عن صاحبها الكفر، لكن الذي لا يندفع بوجه ألبتة: وصف هذه الكلمات بأنها كفر..!!.
فإنه إذا لم يكن قول القائل: أنا الله. كفرا، فليس ثمة كفر في الأرض؛ إذ الكفر في أصله: جحد حقوق الله تعالى، ومن حقوقه: اختصاصه بالصفات والذات التي تليق به.
فإذا قال الإنسان عن نفسه: أنا الله. فهذا قد اعتدى على مقام الله تعالى واختصاصاته، حيث جعل من نفسه مساويا لله تعالى، ندا له، وهذا هو الكفر.
وإدخال دعوى المحبة المستغرقة هنا غير مفيدة لهم؛ إذ غايتها - إذا صحت - أن تكون بين متجانسين، كالإنسان مع الإنسان. أما بين الإنسان والله تعالى، فذلك محال؛ للتباين الكامل، والخلاف القائم، فالله تعالى لا يشبهه شيء.
ومهما قيل من العذر: فلا يمكن أن تنقلب دعوى الفاني عن نفسه: أنه الله تعالى. من كونها كفرا، إلى كونها توحيدا، وإيمانا، وكمالا. فمقالة الكفر كفر، لا تنقلب ولا تتغير، غاية ما في الأمر: أن الحكم قد يسقط عن المعذور شرعا. أما انقلاب الحكم، لتكون الكلمة ذاتها كفرا وإيمانا. فذلك محال..!!؛ لأنه جمع بين النقيضين.
لكن هذا ما يريد المتصوفة تقريره، وإثباته، وأنى لهم ذلك ؟!!.