فلما لم يزل الإنكار لازما لهم: أجابوا بأن هذا لا يفهمه إلا من ذاق. وهم يعلمون أن غيرهم لن يذوق، وصاروا يستدلون بقصص وأشعار العاشقين، لعله يساعد في الحجة..!.
ومن النتائج التي نخرج بها مما سبق:
أن هؤلاء يعتقدون بالحلول والاتحاد، لكن بالشعوري منه، لا الحقيقي، وهذا ما يقررونه، وينظرون له. وفيهم من يقول بالحقيقي.
واعتقادهم في هذا المبدأ: أنه من الغايات، بل هو الغاية الأولى، والكبرى.
فهؤلاء فيهم من الاضطراب ما ليس يخفى؛ فحيث يظهرون إنكار مثل هذه الشطحات، يعتذرون لأصحابها، بالقول: إنها نتاج حالة السكر، وكلام السكران يطوى، ولا يروى. ثم يعودون للتأكيد على علو هذا المقام، الذي يصل إليه الصوفي الفاني، ليقول ما يقوله من الشطحات. وهذا ظاهر في كلام: الطوسي، والغزالي، والجوزجاني. فموضع الاضطراب:
أنهم يعتذرون من شيء ينظّرون له، ويعتقدونه غاية، يسعى إليها المتصوف.
فهذا اضطراب ظاهر، حمل عليه التعارض ما بين المبادئ الصوفية، والمبادئ الإسلامية:
فإذا راعوا جانب التصوف: أكدوا على علو وصحة مقام السكر، وما يقال فيه.
وإذا راعوا جانب الشريعة: أنكروا ما يكون في مقام السكر.
وقد يكون اضطرابا متعمدا، مقصوده الاستخفاف بعقول الناقدين، بإيراد الشيء ونقيضه في مقام واحد: القبول، والإنكار.. الرضا، والاعتراض..!!.
وقد اتفق المسلمون على كفر مقالات: الحلول، والاتحاد، والوحدة. فأما تقسيهما إلى: حقيقي، وشعوري. فيبدو أنه من ابتداع الصوفية؛ فالمقالة كفر في كل حال، سواء كان على سبيل الشعور، أو الحقيقة، وقد يدفع عن صاحب الشطح الكفر: جهله، أو سكره.