وبهذا التحليل أمكن تفصيل هذا الاعتذار وتشريحه، وهذا مفيد في المناقشة..!!.
فإنهم يتبرءون ويبرئون أهل الشطح من عقيدة الحلول والاتحاد الحقيقي، والذي يقولون به هو الحلول والاتحاد الشعوري، وفي هذا الحال يطلق الفاني عبارات تفيد أنه والله تعالى صارا شيئا واحدا، هو: الله تعالى. حيث فني عن ذاته، وبقي بذاته تعالى، كما هو شعور المحب العاشق مع محبوبه ومعشوقه. فهذا المعنى المراد واضح، لا لبس فيه، ولا غموض، ولاخفاء، والسؤال: فما الشيء الذي لا يفهم، ولا يدرك، وهو غامض خفي لا ينكشف إلا لصاحب الذوق والسكر ؟!.
أشيء غير هذا الحلول والاتحاد الشعوري ؟.
حقا ثمة شيء غير مفهوم في كلام المتصوفة..؟!!.
فحيث نرى كل الأفكار ظاهرة، بلسانهم، مبينة، واضحة غير غامضة: يريدون إقناع الباحثين والسائلين وسائر الناس، بأن ثمة شيء في التصوف، لا يمكن فهمه وإدراكه ؟!. (1)
فهل الفاني يذوق شيئا غير شعوره وإحساسه أنه اتحد بربه، فصار الموجود واحدا هو: الله؟.
ليس وراء هذا إلا الحلول والاتحاد الحقيقي، وهو الذي يفرون منه، ويبرءون..!!.
فما الحكاية إذن ؟!!.
الذي يظهر أنهم قالوا كذلك، فردوا عدم فهم وإدراك هذا الحال إلى انعدام الذوق، وانتفاء التجربة؛ أي تجربة الفناء، ليكون جوابا لمن أنكر عليهم هذا الاتحاد الشعوري، لا الحقيقي.
وهذا هو الواقع؛ فإنه لما أنكر عليهم: أجابوا بأنه غير حقيقي..!!.
(1) - هذه الحقيقة لفتت نظر الفيلسوف الإنجليزي الأصل، الأمريكي الجنسية ولتر ترنس ستيس (1886-1967) في كتابه"التصوف والفلسفة"، حيث قال ص78:"هناك صعوبة تتمثل في أن المتصوفة، عادة، يقولون أن تجاربهم لايمكن النطق بها، ولا نقلها إلى الآخرين؛ لأنها فوق الوصف. ثم يبدءون بعد ذلك، وتلك خاصية مشتركة بينهم، في وصفها، فماذا نفعل إزاء ذلك؟".