وكلام العشاق في حال السكر يطوى، ولايحكى، فلما خف عنهم سكرهم، وردوا إلى سلطان العقل، الذي هو ميزان الله في أرضه: عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل يشبه الاتحاد، مثل قول العاشق، في حال فرض العشق:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا …نحن روحان حللنا بدنا
فلا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآة، فينظر فيها، ولم ير المرآة قط، فيظن أن الصورة التي رآها في المرآة، هي صورة المرآة متحدة بها، ويرى الخمر في الزجاج، فيظن الخمرة لون الزجاج، فإذا صار ذلك مألوفا عنده، ورسخ فيه قدمه: استغرقه. فقال:
رق الزجاج وراقت الخمر …وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح… …وكأنما قدح ولا خمر
وفرق بين أن يقال الخمر: قدح. بين أن يقال: كأنه قدح. وهذا الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحال فناء، بل فناء الفناء؛ لأنه فني عن نفسه، وفني عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال، ولا بعد شعوره بنفسه، ولو شعر بعدم شعوره بنفسه، لكان قد شعر بنفسه، وتسمى هذه الحال، بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز: اتحادا. وبلسان الحقيقة: توحيدا. ووراء هذه الحقائق أيضا: أسرار لا يجوز الخوض فيها" (1) ."
-ويقول أبو علي الجوزجاني عن الألفاظ التي ترد عن أبي يزيد:
"رحم الله أبا يزيد له حاله وما نطق به، ولعله تكلم على حد الغلبة أو حال سكر، كلامه له ولمن تكلم عليه، وليس لمن يحكي عنه، فالزم أنت يا أخي، أولا: مجاهدة أبي يزيد وتقطعه ومعاملاته. ولا ترتق إلى المقام الذي بلغ به بعد تلك المجاهدات، فإن بُلغ بك إلى شيء من ذلك، فاحك إذ ذاك كلامه، فليس بعاقل من ضيع الأدنى من المقامات، وادعى الأعلى منها" (2) .
ويقول التفتازاني:
(1) - مشكاة الأنوار، الغزالي، ص12-13.
(2) - طبقات الصوفية، السلمي ص248.