فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 71

فهذا وأشباه ذلك يصف فناءه، وفناءه عن فنائه، وقيام الحق عن نفسه بالوحدانية، ولا خلق قبل، ولا كون كان. وكل ذلك مستخرج من قوله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت عينه، التي يبصر بها، وسمعه الذي يسمعه به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها) (1) ، كما جاء في الحديث.

وقد قال القائل في وجده بمخلوق مثله، وقد وصف وجده بمحبوبه حتى قال:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا …فإذا أبصرتني أبصرتنا

نحن روحان معا في جسد… ألبس الله علينا البدنا

فإذا كان مخلوق يجد بمخلوق، حتى يقول مثل ذلك، فما ظنك بما وراء ذلك ؟، وبلغني عن بعض الحكماء أنه قال: لا يبلغ المتحابان حقيقة المحبة، حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا" (2) ."

ويقول أبو طالب:

"وقد كان أبو يزيد يقول: سبحاني، ما أعظم شأني. وهو موحد؛ لأنه وحّد بأولية بدت". (3)

ويقول الغزالي:

"العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، لكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذوقا وحالا، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، واستهوت فيها عقولهم، فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبق فيهم متسع لذكر غير الله، ولا لذكر أنفسهم أيضا، فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم: أنا الحق. وقال الآخر: سبحاني، ما أعظم شأني. وقال الآخر: ما في الجبة (4) إلا الله."

(1) - رواه البخاري بنحوه دون بعض الزيادات، في صحيحه، عن أبي هريرة، الرقاق، باب: التواضع. 5/2385.

(2) - اللمع، الطوسي، ص463.

(3) - قوت القلوب، المكي، 2/86.

(4) - في المصدر:"الجنة"، وهو تصحيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت