فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 71

هذه الكلمات، التي تفوح بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، قيلت في حال سكر وغيبة، ووجد، وفناء، ومن كان هذا حاله، فإن الحقائق تكون له شربا، فيذوق ما لا يذوقه غيره، ممن لم يصل إلى ما وصل إليه، فيعجز عن إيصال ما يجده في نفسه، من الحقائق الإلهية والكونية، إلا بعبارات توهم: الحلول، والاتحاد، والوحدة. وهو منها بريء.

وأقصى ما يمكن أن يعبر به عن حالهم: أنهم محبون عاشقون، والعاشق يفنى في معشوقه، ومحبوبه، حتى ينسى معه نفسه، فتنعدم ذاته في ذاته، فلا يشعر بذاته، ولايكون شعور إلا بمحبوبه، فإذا وصل إلى هذه الحال تبادلت الضمائر، فخاطبه خطاب الذات، وتكلم بلسانه، فتنتفي في حقهما الإثنينية، ويحصل التوحد، وكل ذلك حالة شعورية لا حقيقية، وعلى هذا دليل من السنة، قوله تعالى: (كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله) (1) .

هذا تفسير.. وآخر يقولون فيه:

أنه الصوفي الفاني يصل إلى مرتبة انتفاء الكثرة، ووحدة الذات، يعود إلى حالة ما قبل الكون والخلق، حيث البقاء لمن لم يزل، والفناء لمن لم يكن؛ أي بقاء الذات الإلهية، التي لم تزل، ولا تزال، وفناء المخلوقات التي لم تكن، فكانت. هذه الحالة إذا شعر بها الفاني: شطح بمثل تلك الكلمات، في الحلول، والاتحاد، والوحدة.

هكذا يقرر المتصوفة جواب هذه التهمة، وفي رأيهم أنه جواب يدفع عنهم:

يقول الطوسي عن كلمات البسطامي:

"وأما قوله: ألبسني أنانيتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك."

(1) - يأتي تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت