فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 71

وهذا أبو علي الجوزجاني، وله كلمات فيها اعتدال، ومع هذا يقول حينما يسأل عن الألفاظ التي ترد عن أبي يزيد:"رحم الله أبا يزيد له حاله وما نطق به، ولعله تكلم على حد الغلبة أو حال سكر، كلامه له ولمن تكلم عليه، وليس لمن يحكي عنه، فالزم أنت يا أخي، أولا: مجاهدة أبي يزيد وتقطعه ومعاملاته. ولا ترتق إلى المقام الذي بلغ به، بعد تلك المجاهدات، فإن بُلغ بك إلى شيء من ذلك، فاحك إذ ذاك كلامه، فليس بعاقل من ضيع الأدنى من المقامات، وادعى الأعلى منها" (1) .

من هذا النص نفهم ما يلي:

أولا: يترحم على أبي يزيد، فهو إذن يواليه على الرغم من شطحاته وخروجه عن السبيل.

ثانيا: لا يجزم أنه قال ما قال في حالة سكر، فربما قالها في حال صحو.

ثالثا: يوصي سائله أن يسير في نفس طريقة أبي يزيد ومجاهداته، إذن هو يصحح طريقته.

رابعا: يرى أن المقام الذي بلغه وقال فيه ما قال، مقام بُلغ به إليه؛ أي موهبة من الله، فهو إذن يحبذه ويرضى به.

خامسا: يجيز للسائل أن يحكي كلامه، إن بلغ المقام الذي بلغه، فهو إذن لا يرى بأسا فيه.

سادسا: يجعل مقامه من أعلى المقامات.

والهروي، والغزالي، والجيلاني،كل هؤلاء المعتدلون وغيرهم، (2) يوجد في كلامهم: فناء الإرادة، وفناء الشهود، وفناء الوجود. يساق جنبا إلى جنب، فلا تدري كيف اجتمع لديهم مثل هذا التناقض ؟.

فإن أحسنّا الظن بهم، فهم يقررون معاني الشهود بألفاظ الوجود. ولا نكاد نجد صوفيا إلا وقد ركب هذا السبيل. فلم كان هذا منهم، ولم اجتمعوا عليه، حتى صار ظاهرة فيهم ؟.

(1) - طبقات الصوفي، السلمي، ص248.

(2) - إحياء علوم الدين 4/338، 346، 245، أبو حامد الغزالي ص267. فتوح الغيب، الجيلاني، ص170، 89. مدارج السالكين، ابن القيم، 1/165-166. واعتدال هؤلاء نسبي، وليس مطلقا، فهم معتدلون إذا ما قورنوا بغيرهم من الغالين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت