فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 71

يقول الدكتور محمد عابد الجابري معلقا على قوله: (فناؤه عن شهود فنائه، باستهلاكه في وجود الحق) :"فالاستهلاك في وجود، مع فناء شهود ذلك الوجود، معناه التماهي مع ذلك الوجود، وهذا هو وحدة الوجود". (1)

ويقول المستشرق نيكلسون:"ومن الغريب أن تصدر الكلمات الأخيرة عن صوفي سنّي كالقشيري؛ لأنها كلمات صريحة في وحدة الوجود. ولكن لها مغزاها أيضا من ناحية أخرى؛ إذ إنها ترشدنا إلى الخطر الذي نستهدف له، عندما نأخذ أقوال الصوفية بحرفيتها، ونفهم منها معانيها الظاهرة. والواقع: أن القشيري لا يقصد بما يسمى الاستهلاك في وجود الحق، سوى فناء الصوفي عن فكره وإرادته، بالتأمل في وجود الحق، واستهلاكه في ذلك، استهلاكا لا وعي فيه، ولكن كثيرا ما يكون الفناء مصحوبا بحالة يفقد فيها الصوفية إحساسهم، وإن كان ذلك ليس بالأمر العام فيهم". (2)

فكلام القشيري صريح الدلالة - في ظاهره - على وحدة الوجود، إلا أنه يجب ألا نحاكم الصوفية إلى هذا الظاهر؛ فكثيرا ما يفقد الصوفية إحساسهم حال الفناء، فيتكلمون بظاهر يخالف ما في باطنهم.. هكذا يقول نيكلسون.

وقد أصاب، فظاهر كلام القشيري لا يحتمل إلا وحدة الوجود؛ أي أن الألفاظ التي استعملها، لا تستعمل إلا في هذا المعنى. فأما أن هذا هو ما يقصده باطنا، فذلك أمر لايعلمه إلا الله تعالى، فربما خانته العبارة، أو قال عبارات أهل السكر، الذين يرددون ما لا يريدون حقيقته، فوقف عند المعنى الذي يقصده، ولم يتأمل في ملاءمته لألفاظه.

ومحصل الأمر: أن لنا الظاهر، أما الباطن فلله تعالى، فالحكم على الألفاظ نفسها، لا على القائلين بها، فما كان يردده القشيري منسجم تماما مع مبادئ: الحلول، والاتحاد، والوحدة.

المثال الثالث: أبو علي الجوزجاني.

(1) - العقل الأخلاقي العربي، الجابري، ص479.

(2) - في التصوف الإسلامي وتاريخه، نيكلسون، ص101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت