قلتُ: أراد بقوله ذلك: إن الله تعالى معكم حيث ما كنتم، وهو يرعاكم ويكلؤكم، وأنتم في رعايته وكلاءته؛ والمعنى في ذلك: أنه يرى نفسه محقا فيما غلب على قلبه: من تجريد التوحيد، وحقيقة التفريد، والواجد إذا كان وقته كذلك، فإذا قال: أنا؛ يعبر عن وجده، ويترجم عن الحال الذي قد استولى على سره، فإذا قال: أنا؛ يشير بذلك إلى ما غلب من حقيقة صفة مشاهدته قرب سيده" (1) ."
فهو إذن يقرر ما قاله الشبلي، ولا ينكره عليه، ولا يفسره بغير ظاهر، بل يوضحه، ويبين مراده تماما، زاعما أنه بذلك يذب عنه، وغاية ما فعله هو: تثبيت ما اتهموا به.
ثم بعد هذا: ما قيمة أن ينقل نقولات عن الأئمة الصوفية: الجنيد، وأبي عثمان الحيري، البسطامي، وغيرهم، في وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم (2) ، وأن يقول في بعض كلامه:
"فإذا قيل لك: الصوفية من هم في الحقيقة ؟، صفهم لنا."
فقال: هم العلماء بالله، وبأحكام الله، العاملون بما علمهم الله تعالى، المتحققون بما استعملهم الله عز وجل، الواجدون، بما تحققوا، الفانون بما وجدوا" (3) ."
أليس في هذا محاولة للجمع بين نقيضين: فناء الإرادة، وفناء الذات ؟!.
فكيف لمن فنيت إرادته في إرادة الله تعالى، حتى صار لا يفعل إلا ما أمر الله تعالى: أن يدعي أنه: الله تعالى. ولو بدعوى المحبة، والوجد، والسكر ؟!.
وبدعوى الحال الذي استولى على السر، وغلبة حقيقة مشاهدته..
وبدعوى الفناء عن الفناء، وقيام الحق عن نفسه بالوحدانية، ولا خلق قبل، ولا كون كان وأولية بدت..!!.
(1) - اللمع، الطوسي، ص478.
(2) - اللمع ص144.
(3) - اللمع ص47.