فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 71

فهذا وأشباه ذلك يصف فناءه، وفناءه عن فنائه، وقيام الحق عن نفسه بالوحدانية، ولا خلق قبل، ولا كون كان. وكل ذلك مستخرج من قوله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت عينه، التي يبصر بها، وسمعه الذي يسمع به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها) (1) ، كما جاء في الحديث.

وقد قال القائل في وجده بمخلوق مثله، وقد وصف وجده بمحبوبه حتى قال:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا …فإذا أبصرتني أبصرتنا

نحن روحان معا في جسد……ألبس الله علينا البدنا

فإذا كان مخلوق يجد بمخلوق، حتى يقول مثل ذلك، فما ظنك بما وراء ذلك ؟، وبلغني عن بعض الحكماء أنه قال: لا يبلغ المتحابان حقيقة المحبة، حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا" (2) ."

إذن، يسوغ في حالات الوجد والسكر بالمحبة أن يقول الإنسان عن نفسه: أنا الله..!!. هكذا يقرر الطوسي، وبهذه الطريقة يفسر كلام البسطامي، فهو لم ينف عنه المقالة، فأثبتها، ثم لم يفسرها بما ينفي عنه تهمة الحلول والاتحاد، بل فسرها به.

وليس وحده الذي وافق البسطامي في كلامه، فهذا أبو طالب يقول فيه:"وقد كان أبو يزيد يقول: سبحاني، ما أعظم شأني. وهو موحد؛ لأنه وحّد بأولية بدت". (3)

كذلك مثله ما أوّل به الطوسي كلام الشبلي، قال:

"سمعت أبا عبد الله بن جابان يقول: دخلت على الشبلي رحمه الله في سنة قحط، فسلمت عليه، فلما قمت على أن أخرج من عنده، فكان يقول لي ولمن معي، إلى أن خرجنا من الدار: (مرّوا أنا معكم حيث ما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي) ."

(1) - رواه البخاري بنحوه دون بعض الزيادات، في صحيحه، عن أبي هريرة، الرقاق، باب: التواضع. 5/2385.

(2) - اللمع، الطوسي، ص463.

(3) - قوت القلوب، أبو طالب المكي، 2/86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت