أين موقع الوحدة من هذه الفكرة، وقد علم أنها غير مختصة بفرد وحده، ولا بجنس الإنسان، بل بكل الكائنات الموجودة في هذا العالم ؟!.
فالجواب: لها موقع أساس في هذه الفكرة، من جهتين اثنتين:
الأولى: أن الوحدة حلول في ذاتها، لكنها حلول عام. فمن هذه الجهة تعلقت بالفكرة.
الثانية: أن التصوف يرى كل شيء: هباءا، وسرابا. ليس له من ذاته وجود، ولا فعل، فوجوده، وفعله من غيره؛ من القوة الإلهية المهيمنة، التي تحل به فتعطيه الوجود، والفعل.
وهذه الفكرة موجودة في التصوف القديم، ما قبل الإسلام، ثم إنها انتقلت إلى المسلمين، وقد ذكر البيروني هذا، فقال:
"ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليها، وأن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره، فوجوده كالخيال غير حق، والحق هو الواحد الأول فقط."
وهذا رأي (السوفية) وهم الحكماء، فإن (سوف) باليونانية الحكمة، وبها سمي الفيلسوف (بيلاسوبا) ، أي محب الحكمة.
ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم، سموا باسمهم، ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكل إلى (الصفة) ، وأنهم أصحابها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صُحّف بعد ذلك، فصُيّر من صوف التيوس" (1) ."
6-فناء الإرادة، ومحلها من التصوف.
مما ذكر من معاني الفناء: فناء الإرادة؛ أي فناء إرادة العبد في إرادة الله تعالى. وهذا المعنى منه ما هو واجب شرعا، ومنه ما هو مندوب شرعا، وقد نص المتصوفة عليه، فهو موجود في كلام: الطوسي، والكلاباذي، والسلمي، والقشيري، وغيرهم.
(1) 1 - تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ص27، وفي قول البيروني جواب لقول من قال: لو كان"صوفي"مأخوذ من"سوفيا"لقيل:"سوفي"، انظر التصوف في الإسلام، عمر فروخ، ص24،29.