فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 71

ويروي الطوسي عن سهل بن عبد الله التستري قوله، وقد سئل عن سر النفس، فقال:"النفس سر ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا فرعون، فقال: أنا ربكم الأعلى" (1) . فهذا صريح في الحلول والاتحاد، ومثل هذا الكلام قد يكون منسوبا إلى التستري، إلا أن:

استشهاد الطوسي به، وسوقه، يدل على رضاه به؛ فإنه ذكره تقريرا لآراء المتصوفة، وليس مجرد ذكر، فهو إذن من الآراء الصوفية.

واعتماد المتصوفة كتاب الطوسي"اللمع"، وجعلهم إياه من الكتب المعتمدة، وعدم نقد شيء فيه، بما فيه هذه الكلمة ونحوها، يدل على رضاهم به.

ولو ذهبنا ننتبع أقوالهم ما خلصنا؛ لكثرتها، فما من إمام مشهور لديهم إلا ولديه شيء من هذا الكلام، إما بالتصريح، وإما بالإشارة والتلميح، لم يسلم من هذا إلا بعضهم كالمحاسبي، فهذه المعاني موجودة ظاهرة في كلامهم، هذا لا يمكن إنكارها، وتبقى محاكمة كل من قال بها: إن كان قاصدا لها، أم لا ؟.

فهذا أمر يعسر الحكم به، إذ ما في القلوب لا يعلم به إلا الله تعالى، وهؤلاء كثير منهم التبست عليهم العبارات والكلمات، فخلطوا بين المعاني والألفاظ، فتكلموا بألفاظ لاتحتمل إلا معاني: الحلول، والاتحاد، والوحدة.

والمهم في الأمر: أن هذا الإصرار على تقرير هذه المعاني، بقصد أو بدون قصد، لم يكن لولا أنها القضية الأصل والأساس للتصوف:

فمن المتصوفة من فهم هذه المسألة، واعتنقها، فتكلم بكل ذلك عن علم ودراية.

ومنهم من لم يدركها، لكن تكلم بمثل تكلم المدرك؛ كون اللغة واحدة عند الجميع.

وهكذا اتفقت الفئتان: على تقرير مبدأ التصوف بالصورة نفسها التي كانت عليه قديما.

5-موقع الوحدة من حقيقة التصوف.

إذن، قد فُسّر التصوف بالحلول والاتحاد، بالنظر إلى أن معناه: الفناء في الذات الإلهية، والتخلق بأخلاق الله تعالى. وهذان إنما يختصان بالفرد وحده، لكن..:

(1) - اللمع، الطوسي، ص299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت