فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 71

أحدهما: التخلق بكل خلق سني، والتجرد عن كل خلق دني.

والآخر: أنه الفناء عن نفسه، والبقاء لربه.

وهما في التحقيق إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما: يصلح التعبير به عن البداية. والآخر: يصلح التعبير به عن النهاية. وكلاهما اتصاف، إلا أن الأول: لا يلزمه الحال. والثاني: يلزمه الحال.

وقد يعبر فيهما بلفظ آخر، فيكون الأول: عملا تكليفيا. والثاني: نتيجته. ويكون الأول: اتصاف الظاهر. والثاني: اتصاف الباطن. ومجموعهما هو التصوف" (1) ."

فمحصّل التصوف: فناء عن أخلاق النفس والذات. بقاء بأخلاق الله تعالى.

وهكذا نص المتصوفة، لما تكلموا في معنى التصوف، ففسروه بالفناء، إما بنص مباشر ( باللفظ) ، أو بنص غير مباشر (بالمعنى) ، وفسروه بالتخلق كذلك، باللفظ والمعنى.

تبين مما مضى: أن الفناء موضوع التصوف. فهذا المعنى كان ظاهرا بألفاظ كثيرة مرادفة، كالاصطلام، والاضمحلال، والسكر، والغيبة، والجذب.. إلخ، وليس هذا كل شيء؛ فإن طائفة من التعريفات جعلت موضوع التصوف: الفناء. باللفظ نفسه، دون اللجوء إلى المرادفات، وذلك يعطي هذا المعنى توهجا، يستحق به أن يكون موضوع التصوف؛ إذ تكرر بلفظه، وبألفاظ مرادفة، وبه فسّر التصوف في كلام المتصوفة، وهذا ما لم يحظ به: الزهد، والصوف.

عودة إلى حقيقة الفناء.

(1) - الاعتصام 1/207. يلاحظ هنا: أن الشاطبي عكس هذه العلاقة، فجعل التخلق أولًا، ثم التخلق ثانيًا..!!.

وأما في كلام الصوفية فالعكس؛ ذلك أن الفناء تخلص من الأوصاف الموجودة، لتحصل التخلية، ليمكن بعدها التحلي باكتساب الأخلاق الإلهية. فهذا هو التخلق عندهم.

وسبب ما ذهب إليه: أنه ينظر إلى معنى التخلق عندهم على أنه: تخلص من الأخلاق الذميمة فحسب، دون البشرية عموما، ليحصل بعدها اكتساب المحمودة منها، في نطاق بشري.

والفكر الصوفي يرى التخلق أعم من ذلك، تخلص كلي من البشرية، وتخلق كلي بالإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت