وقد ذكر الكلاباذي - وهو من الأئمة المتقدمين، وكتابه من أقدم المؤلفات - في تعريف الفناء أنه:"الغيبة عن صفات البشرية، بالحمل الموله من نعوت الإلهية. وهو أن يفنى عنه أوصافه البشرية، التي هي: الجهل، والظلم". (1)
وفي هذا الكلام إشارة إلى: فناء الإرادة؛ إذ ترك الظلم والجهل يأتي من موافقة الإرادة الإرادة الإلهية، والفناء عن الإرادة البشرية، التي تحمل هذه الصفات. ولا ينكر وجود هذا المعنى ( = فناء الإرادة) في كلامهم، حتى بالتصريح، وليس هذا محل البحث:
إنما في المعنيين الآخرين هل هما موجودان، أم لا ؟.
وما منزلتهما، إن كان موجودين ؟.
فقد تبين أن هذه التعريفات، وغيرها كثير: تشير إلى وجود فناء الذات والصفات في كلامهم، ولو على وجه الاحتمال. أما عن منزلتهما فالمباحث الآتية معنية بالكشف عنها.
4-الفناء والتخلق.
ولا يمر هذا التحرير دون التذكير بأمر يفيد في فهم موضوع التصوف:
فبما أن التصوف فسر بالتخلق والفناء معا، فثمة علاقة بينهما إذن. وهذا يعرف من معرفة معنى المصطلحين؛ فقد تقدم أن الفناء: زوال، واضمحلال.
والتخلق بأخلاق ما، يفيد: ترك أخلاق الذات والإقلاع عنها، وهذا مقصود لغيره، والتلبس بالأخلاق الأخرى، وهذا مقصود لذاته.
هذا الترك والإقلاع هو المعنى نفسه للفناء؛ فالفناء: ترك للحال الخاص، وتلبس بحال أخرى.
فالتخلق يتضمن معنى الفناء إذن. فهو فناء عن أخلاق النفس، هذا أولًا.. للتخلق بعده بأخلاق الله تعالى، وهذا ثانيا. وهذا ما يسمى في المصطلح الصوفي بالبقاء. وقد تقدمت الإشارة إلى هذه العلاقة سابقا. (2)
فكل فناء يتبعه بقاء. فالتخلق فعل، أوله: فناء. وآخره: بقاء.
فمقصوده بالذات: البقاء بالأخلاق الجديدة. وأما الفناء عن الأخلاق القديمة فمقصود لغيره.
يقول الشاطبي مبينا العلاقة بين التخلق والفناء:
"حاصل ما يرجع إليه لفظ التصوف عندهم معنيان:"
(1) - التعرف ص148.
(2) - انظر: ص29.