فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 71

وهذا بالنظر إلى مفردات التعريف، دون النظر إلى صاحب التعريف، فربما قصد الجنيد شيئا، وتكلم بكلام يحتمل أكثر من شيء؛ ولذا لا يمكن نسبة القول بالحلول والاتحاد إليه، بمجرد تعريفه هذا، لكن تبرئته، وعدم تحميله معاني هذا الكلام كلها، لا يعني عدم سوق الاحتمالات الثلاثة؛ فإنها احتمالات هذا التعريف، وهي منسجمة مع الفكر الصوفي، صادرة من متصوف، ويستشهد بها المتصوفة في تأييد آراء يذهبون إليها، فرفض الجنيد لمعاني الحلول لا يبرئ الفكر الصوفي منها، ولا يمنع المتصوفة، خصوصا الحلولية، من استعمال كلامه فيها؛ لذا كان لزاما إيراد الاحتمالات الواردة في كلامه، وليس الاحتمالات المناسبة لحاله ومقامه. (1)

وفي كلام المزايلي: ذكر الاضمحلال لمعالم الإنسانية. هذا هو التصوف عندهم. فالاضمحلال هو: الفناء، والتلاشي، والمحو. فهذا المصطلح يحتمل المعاني الآنفة؛ اضمحلال: الإرادة، الصفات، الذات. فأيها المراد ؟.

لدينا شاهد، ربما ساعد على تحديد المعنى المراد، وهو قوله: معالم الإنسانية.

فالاضمحلال يلحق الإنسانية نفسها، والإنسانية مصطلح أعم من أن يختص بالإرادة، أو الصفات، فهو يشملها ويشمل الذات؛ فالإنسان مجموع: الذات، والصفات، والإرادة. وإذا اضمحلت هذه الثلاثة لم يبق للإنسان وجود حقيقي، فحقيقة هذا الكلام إذن وظاهره الحلول والاتحاد.

وفي هذا التعريف لم يذكر الحال المقابل للاضمحلال، كما في تعرف الجنيد، لكن هذا لايغير من المعنى شيئا؛ إذ هذا عرف متبع عند الصوفية، يذكرون مرتبة الفناء، ويضمرون مرتبة البقاء، فلا يذكرونها، اكتفاء بالأول، فكل من فني عن نفسه بقي بربه، فالبقاء يتبع الفناء لزوما، فمرة يذكرونه، ومرة لا يذكرونه؛ كونه معروفا.

وعن الذي ساقه القشيري، فالاصطلام هو: الفناء. وبهذا عرفوه فقالوا:

(1) - سيأتي توضيح هذا الصنيع في آخر هذا البحث، في المحصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت