أن قوله:"إذا تعارض النقل و العقل"
إما أن يريد به القطعييَن , فلا نسلم إمكان التعارض حينئذ ٍ .
و إما يريد به الظنييَن , فالمقدم هو الراجح مطلقا .
و إما أن يريد به أن أحدهما قطعي , فالقطعي هو المقدم مطلقا , و إذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيا . لا لكونه عقليا .
فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ كما أن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ .
الوجه الثاني:
أن يقال لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرناه من الأقسام الأربعة , إذ من الممكن أن يقال:
يقدم العقلي تارة و السمعي أخرى , فأيهما كان قطعيا قدم , و إن كانا جميعا قطعيين , فيمنع التعارض و إن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم .
فدعوى المدعي: أنه لابد من تقديم العقلي مطلقا أو السمعي مطلقا , أو الجمع بين النقيضين , أو رفع النقيضين - دعوى باطلة - بل هناك قسم ليس من هذه الأقسام كما تقدم , بل هو الحق الذي لا ريب فيه .
الوجه الثالث:
هو العقل أصل في إثبات الشرع في نفسه أم أصل في علمنا به ؟
قوله:"إن قدما النقل كان ذلك طعنا في أصله الذي هو العقل , فيكون طعنا فيه"غير مُسَلم .
وذلك لان قوله:"إن العقل أصل النقل"إما أن يريد به:
أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر أو أصل في علمنا بصحته .
فالأول لا يقوله عاقل , فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت , سواء علمنا بالعقل أو بغير العقل ثبوته و عدم علمنا بالحقائق و لا ينفي ثبوتها في أنفسها .
فتبين بذلك أن العقل ليس أصلا لثبوت الشرع في نفسه .
الوجه الرابع:
أن يقال إما أن يكون عالما بصدق الرسول , و ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ,
و إما أن لا يكون عالما بذلك .
فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلوما له , لان المعلوم لا يعارضه المجهول و إن لم يكن المعقول معلوما لم يتعارض مجهولان .
الوجه الخامس:
هل أخبرت الرسل بموارد النزاع ؟