قال بعدها (منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا) ، هذه الكلمة (منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا) أوردها لاستعمال طائفة من أئمة أهل السنة والحديث والأثر لهذه الكلمة، وهو أنهم قالوا: القرآن كلام الله منزه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. فاستعملها كما استعملها الأئمة من قبل.
قوله (منْهُ بَدَا) بدأ منه (من) هنا ابتدائية، و (من) لها استعمالات كثيرة في اللغة، ومنها أن تكون للابتداء وقدمها الناظم في حروف المعاني جمع معاني (من) في اللغة العربية جمعها اثني عشرة معنى، وهي تزيد عن ذلك فقال:
أتتنا من لتبيين وبعض وتعليل وبدءٍ وانتهاء
وزائدة وإبدال وفصل ومعنى عن وعلى وفي وبعد
فأول معاني (من) التبيين ثم التبعيض والتعليل والبدء هذه رتبها، ومعنى (من) الابتدائية أن يكون الفعل بدأ من المسند إليه، وقوله هنا (منْهُ بَدَا) يعني أنه ابتدأ من الله جل وعلا، يعني من الله ابتدأ فيعني بـ (من) أن ابتداءه كان من الله جل وعلا، وهذا دلت عليه آيات كثيرة كقوله ?قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ? [النحل:102] ، وكقوله ?تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ? [فصلت:42] ، وغير ذلك كما سيأتي بيانه.
قوله (بَدَا) هكذا بدون همز (منْهُ بَدَا) تفسيرها يعني ظهر، (منْهُ بَدَا) يعني كان ابتداء ظهوره وخروجه من الله جل وعلا ويقال فيها أيضا (منْهُ بَدَأَ) ، بَدَأَ بالهمز يعني به الابتداء، منه ابتدأ، وأن الله سبحانه هو الذي بدأه لم يُبتدأ تنزيله من غير الله جل وعلا؛ بل نزل من الله ابتداء.
قال (بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا) تقدير الكلام أو سياق سبر الكلام؛ المراد منه: منه بدا قولا بلا كيفية. منه بدا؛ لم يبتدئ منه معنى ولكن بدأ منه قولا، ظهر وخرج القرآن منه قولا، فهو كلامه وقد ظهر وخرج أو ابتدأ منه قولا، ففي قوله قولا إخراج لمن ادعى أنه معنى من المعاني جُعل في نفس جبريل.
قوله (بلاَ كَيْفِيَّة) يعني بلا كيفية معقولة، وإلا فإن كلام الله جل وعلا لاشك أن له كيف ولكن الكيف غير معقول فيصدق على هذا قول الإمام مالك في الاستواء: إنّ الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول.
قال (وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا) ، (أنْزلَه) يعني الإنزال من الله جل وعلا، والإنزال في القرآن والسنة جاء على نوعين:
النوع الأول: إنزال مطلق وهذا يكون من الله جل وعلا، وقد يذكر من الله وقد لا تذكر فيكون الإنزال المطلق من الله جل وعلا.