المذهب الرابع: هو مذهب الكلاّبية أتباع ابن كلاب؛ بل مذهب ابن كلاب نفسه وأتباعه من الأشاعرة وغيرهم، وهو أن كلام الله جل وعلا معنىً واحدًا وكتب الله تعبير عن هذا المعنى الواحد فتارة يعبر عنه بالعربية فيسمى قرآن وتارة يعبر عنه بالسريانية فيسمى إنجيل فتارة يعبر عنه بالعبرانية فيسمى توراة، وهكذا.
فإذن هو معنى وليس ثم صوت يسمع ولا كلام حقيقة، ولكن هو معنى قائم بنفس الرب جل وعلا ألقاه في روع جبريل فنزل به جبريل، عبّر عنه جبريل بهذه التعبيرات المختلفة.
المذهب الخامس: هو مذهب الفلاسفة وطائفة من الصوفية، وهو أنّ كلام الله جل وعلا هو ما يُفاض أو ما يفيضه على النفوس من المعاني الخيّرة معاني الحكمة، وهذه الإفاضة قد تكون مباشرة منه إلى العقل الفعال -عندهم-، والعقل الفعال يفيضه على النفوس حسب استعداداتها، وقد تكون هذه الإفاضة منه جل وعلا مباشرة على قلب الرجل، كقول طائفة من الصوفية، وقد تكون هذه الإفاضة في وقائع مختلفة.
المقصود من هذا تقريب المذاهب المشهورة في هذه المسألة، وإلا فثم مذاهب أخرى لهذه المسألة، وكما ذكرت لك فإن هذه المسألة من كبريات المسائل التي تكلم فيها الناس.
المسألة الثالثة: أدلة أهل السنة والجماعة على قولهم وردّ واستدلال المخالفين؛ بل نقول أولا أدلة أهل السنة والجماعة على قولهم.
فكما سمعت المسألة فيها أشياء:
ففيها أنّ القرآن كلام الله، وهذه أدلتها كثيرة معلومة لكم، ومنها قوله جل وعلا ?وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ? [التوبة:6] .
وقوله (منْهُ بَدَا... قَوْلًا) هذا دليله قوله جل وعلا ?قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ? [النحل:102] ، وقوله جل وعلا ?إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ? [فصلت:41-42] ، قال (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) ثم وصفه، ثم قال (تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، ولهذا حرف (مِنْ) هذا من الأحرف المهمة في تقرير العقائد السلفية، فينبغي لطالب العلم أن يعتني به في كتب النحو وكتب المعاني؛ لأنه يفيد فيما ذكرنا في مواضع كثيرة، يفيد في هذا الموضع وفي غيره من المواضع.