فتارة تجد من يقول -وكلها حق- أن من يقول إن منشأ الضلال هذه المسألة هو أن إثبات صفة الكلام يستلزم التجسيم، وهي راجعة إلى ما ذكرنا.
ومنهم من يقول إن صفة الكلام المضافة إلى الله صفة تشريف يعني إضافة تشريف لا إضافة صفة إلى موصوف.
وهذان القولان هما اللذان ذكرهما الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع يعني شبهة الذين قالوا إن كلام الله جل وعلا مخلوق.
المسألة الثانية: أنّ الناس اختلفوا في مسألة الكلام هذه إلى أقوال كثيرة يهمك منها عدد -يعني لا نستوعب الأقوال لأنها طويلة وبعضها لا فائدة منه-:
الأول: قول أهل السنة والجماعة وهو الذي سمعت؛ وهو أن القرآن كلام الله جل وعلا سمعه منه جبريل فنزل به على محمد عليه الصلاة والسلام فسمعه منه محمد عليه الصلاة والسلام وأسمعه الناس وتلاه عليهم، وأنه منه بدأ جل وعلا وإليه يعود، وأن كلام الله سبحانه وتعالى يُسمع، وإذا كان جبريل قد سمعه ونزّله فإذن هو صوت سمعه بصوت وليس معنًى قذف في داخل جبريل أو أخذه من اللوح المحفوظ، وأن كلام الله سبحانه هو كلامه حيث وجد، وأنه إذا تُلي فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، فهو كلامه الموجود في المصاحف، وهو كلامه الموجود الذي يسمع في تلاوة التالي، وهو كلامه الذي يستدل به إلى آخره، لا يخرج من هذه الحالات عن كونه كلام الله جل وعلا.
وهذا هو الذي قرر في هذا الموضع من الطحاوية.
المذهب الثاني: مذهب الجهمية وهو أن الله سبحانه لا يوصف بكلام أصلا وليس بمتكلم ولا بذي كلام، فيسلب عنه هذا الوصف، ويفسر الكلام بمخلوق منفصل، يقال له كلام، فخلق الله هذا القرآن وسماه كلاما له، فيكون الكلام كلام الله جل وعلا، يكون خلقا من خلقه.
المذهب الثالث: مذهب المعتزلة وهو شبيه بمذهب الجهمية إلا أنهم قالوا إن القرآن مخلوق خلقه الله جل وعلا في نفس جبريل، فعبّر به جبريل أو نقل جبريل ما خُلق في نفسه، فهو مخلوق في نفس جبريل، وكلام الله جل وعلا يُخلق في أحوال مختلفة؛ من جهة كلام موسى خلق في الشجرة ويُخلق في كذا، ويُخلق في كذا إلى آخر قولهم.
فإذن يتفقون على أنه مخلوق مع الجهمية ويجعلون زيادة عليهم أنه مخلوق في موضع يناسبه، وهذا منهم فقه أعظم من فقه جهم؛ لأنه حتى لا يعارض عليه بأن القرآن تنزيل وأنه أنزل، فقالوا إنه أنزل ولكنه خلق في نفس جبريل أو رُوع جبريل.