فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 83

وأما عبارة عليّ بن المديني في تعريفه أصحاب الحديث، والتي يقول فيها:"هم أصحاب الحديث الذين يتعاهدون مذاهب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويذبُّون عن العلم، لولاهم لم نجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الرأي شيئًا من سنن المرسلين" (1) . ففي عبارة علي بن المديني نوعًا من التخصيص، إذ يفسر أهل الحديث بأنهم الذين يتعاهدون مذاهب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويذبُّون عن العلم، ويبلغون للناس سنن المرسلين. وهذا تفسير للشيء ببعض أجزائه، وأهل السنة الطائفة المنصورة أعم من ذلك، ولا شك أن قومًا كهؤلاء الذين ذكرهم ابن المديني هم أولى الناس بالدخول في هذه الطائفة، وإلى ما عندهم يَرجِع كلُّ مُتَّبع في أي تخصص كان، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا -وحدهم- الطائفة المنصورة أو أهل السنة والجماعة.

ولذلك كانت عبارة الإمام أحمد دقيقة حين رأى قومًا يشتغلون بمدراسة الحديث، فأطلق عليهم أنهم (ممَّن) قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي..."الحديث (2) .

إذن؛ فأهل السنة -كما قررنا- لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه؛ بل هم مفرقون في أبواب الخير كافة، يقولون بالحق، ويرحمون الخلق، ويجتمعون على منهج الاتباع.

رابعًا: أهل السنة على نمط واحد في باب الاعتقاد وأصول الدين.

لا منازعة بين المسلمين على خطورة أمر الاعتقاد، وعظم شأنه، وعلو قدره؛

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه ابن عدي في الكامل (1/121) في ترجمة علي بن المديني، وانظر الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي (223) .

(2) سبق تخريجه.

إذ المخالف فيه على شفا هلكة؛ ولهذا نجد أهل السنة جميعًا على قول واحد في أصول هذا الباب وكلياته، لم ينقل عنهم اختلاف في أمهات مسائل الاعتقاد وأصول الدين؛ بل المحفوظ عنهم اتفاقهم في هذه المسائل، وعدم اختلافهم عليها.

وهذا لا يعني أن كل مسائل الاعتقاد متفق عليها عند أهل السنة والجماعة، إذ قد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب.

ومن الأمثلة على ذلك:

-اختلافهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا؟"فكان ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج، وكانت عائشة رضي الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت