العصراني الغلاة الذين لا يفصلهم عن العلمانية إلا خيط دقيق، حيث يرون في دعوة الشيخ سدًا منيعًا دون أهوائهم وشهواتهم وضلالاتهم.
لكن المستغرب أن يشارك في توجيه السهام الكاذبة ضد دعوة التوحيد الإصلاحية أناس تأثروا بمفتريات خصوم الدعوة دون بحث وتمحيص، ودون اتباع للمنهج العلمي المعتبر في إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف، وهؤلاء لو علموا لأدركوا أن للشيخ الإمام - رحمه الله - منة عظيمة عليهم حيث أنقذهم الله - تعالى - على يده من الشرك والبدع والضلالات، وعاشوا في أنقى مجتمع مسلم في هذا العصر قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وإن توقيت هذا الهجوم ومواكبته لهجوم أعداء الإسلام أمر يثير الشك، فما ينبغي لعاقل يزعم الإصلاح أن يكون سهمه مع سهام اليهود والنصارى والروافض والمنافقين، حيث رمى الجميع الدعوة عن قوس واحدة، وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - أنه قال:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"، فمن لم يعرف الشرك وظلمته، والكفر وسوءته، والبدعة وقبحها وضلالها، وكان مع ذلك جاهلا بحقائق دين الإسلام، ومعاني ما أنزل الله على الرسول كان على يده تقض عرى الإسلام عروة عروة، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا فيخشى أن يكون ممن قال الله - تعالى - فيهم:"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف:103، 104) .
ومع أننا نجزم بصواب دعوة الشيخ وموافقتها للكتاب والسنة وتجديدها لدين الإسلام، ونجزم أيضًا بضلال مخالفي الدعوة، مع ذلك نقول: إنه كان من الواجب على المتكلم ألا يتكلم إلا بعلم كما قال - تعالى:"وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" (الإسراء: من الآية36) ، وأن يتكلم بإنصاف وعدل بعيدًا عن الإجمال والتعميم الذي يعيبه فيه العقلاء، ويجافي فيه المنهج العلمي فيحدد ما يراه باطلًا أو خطأً، ويذكر برهانه على ما يقول كما قال - تعالى:"وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة:111) حين ذاك تقارع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فيتضح الحق من الباطل والحالي من العاطل، والغالي النفيس من الزيف الرخيص قال الله - تعالى:"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" (الرعد: من الآية17) .