يقول ابن قدامة في روضة الناظر وجنة المناظر:"إجماع الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم من أهل اللغة، بأجمعهم أجروا ألفاظَ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل على تخصيصه دليل، فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم، والإجماع حجة، فالأصل استصحاب عموم الدليل حتى يرد المخصص".
والعموم لا يحمل على غيره إلا بقرينة. ولا توجد قرينة تنقله للخصوص, فأدلة السحر القرآنية والحديثية, أدلة تشتمل على ألفاظ وصيغ تعبر عن العموم، وهي معروفة ومدونة في كتب العلم، فإن وردت في النصوص كان دليلا عامًّا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) .
فيه من صيغ العموم"من"للعاقل, و"ما"فيما لا يعقل, أي عموم الإتيان للساحر والاستعانة به وقصد سحره يترتب عليه الكفر, بأي غاية كانت، وتصديقه بأي شيء قاله دون تخصيص أو استثناء, فهذا هو المفهوم الظاهر للحديث، فيبقى المعنى والحكم كما هو لانتفاء الناسخ أو المخصص أو الإجماع على خلاف العموم.
فلم يخصصون الدليل؟
وقال أيضًا صلوات ربي وسلامه عليه: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) ، فيه (من) وهي من ألفاظ العموم؛ ففيه كفر من تطلب عمل السحر، ولا شك أن الشخص المسحور الذي ينشر عنه بالسحر يدخل في هذا العموم, والسحر هنا لفظ عام يشمل الوجهين.
وقال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله/ والسحر الخ) ، والسحر اسم جنس محلى بـ (ال) التعريف فيوجب العموم، أي يشمل سِحرًا قُصِد للشرِِ والأذية أو التفريق أو للنشر عن المسحور لما فيه من الأمور الكفرية، فالأمر عام بالاجتناب، والأصل في الأوامر الحتم, يقول شارح كتاب التوحيد:"قوله: اجتنبوا أي ابعدوا, وهو أبلغ من قوله دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ"، وغيره من الأدلة.
وهكذا الأدلة جميعها، فالناظر إليها يجدها أدلة عامة. فليست هي خاصة لمن قصد السحر لإرادة الإضرار.