لأنه أحوط وأسلم ولا يخالف النصوص، بل جاء موافقًا للقرآن وسنة النبي وسنة أصحابه الأخيار من بعده.
3 -وأيضًا من قواعد الترجيح إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم والآخر يقتضي الإباحة قدم التحريم في الأصح, قال الأئمة: وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم، وذلك أولى من عكسه. وأورده جماعة حديثًا, وروي موقوفًا على ابن مسعود فيرجح بهذا حديث جابر لأنه نص على النهي.
ففِعله وإقراره صلى الله عليه وسلم إن عارض قوله ظاهرًا, فإما أن يكون ذلك خاصًّا به أو لأسباب وحكمة لا نعلمها بسب القصور في الذهن لدينا. فيبقى حكم النهي كما هو لا يزول لهذه الأسباب التي قررها أهل العلم.
ثالثا: يستدل المجيزون بما رواه البخاري عن قتادة قال: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس إنما يريدون به الإصلاح, فأما ما ينفع فلم ينه عنه.
وهذا من ابن المسيَّب يُحمل على نوع من النشرة لا يُعلم أنه سحر.
لأن سؤال قتادة في النشرة عن المسحور، وكان جواب ابن المسيب لا بأس -أي بالنشر- لأنهم يريدون الإصلاح, فأما ما ينفع فلم ينه عنه. فدل على أنه أراد الرقية الشرعية أو النشرة المباحة الخالية من الشرك؛ لأنها منفعة لا تلحقها مضرة لا دنيوية أو أخروية، والنبي لم يأذن بفك السحر إلا بالرقية الشرعية والأدوية المباحة؛ كما في الحديث: فلعل طبا أصابه، ثم نشره بـ (قل أعوذ برب الناس) ، أي رقاه، وطلب من الصحابة الكرام أن يعرضوا رقاهم عليه فقال: اعرضوا علي رقاكم؛ لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا.
وأما حمل كلام ابن المسيب على جواز النشر عن المسحور بالسحر فلا يصح، وإن صح عنه ذلك فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لأنه قول مخالف للنصوص العامة والخاصة, والسحر عرف منذ القدم وعرفته العرب، وكان يستخدم على الوجهين: في الشر والضرر, وفي النشر وحل السحر عن المسحور, وبعد الإسلام نزلت آيات السحر في ذمه والنهي عنه, آيات عامة بدون تخصيص, وكذلك أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم تأمر باجتنابه وتبين كفر طالِبِه والخطاب فيها عام، فالنهي يشمل الوجهين.