الصفحة 41 من 58

الله عليه وسلم فأُخرجَ، والثاني المنفي؛ وهو إخراج ما حواه الجف من السحر وإظهاره للناس، وهو الذي سألت عنه عائشة رضي الله عنها.

وان قيل: إن الحمل على هذا المعنى لا يصح لأن بعض الروايات جاء فيها إشعار باستكشاف ما حواه الجف فوجدوا وترًا فيه عقد وانحلت عند قراءة المعوذتين، فهذه الروايات غير ثابتة، قال الحافظ: [1] "فلو كان ثابتًا لقدح في الجمع المذكور, لكن لا يخلو إسناد كل منهما من ضعف".

ثم إن سؤال عائشة من الصعب أن يحمل على معنى: لو أنك ذهبت للسحرة لفك سحرك؛ إذ كيف تشير عليه عائشة رضي الله عنها بطلب العون من السحرة واللجوء لهم, وهي تدرك قول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] ، وتدرك وتعي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، وذكر منها السحر, ولا تجهل الكفر الذي يقوم به الساحر، فهل يعقل أن تشير على رسول هذه الأمة أن يلجأ إلى ساحر وهو الذي ينهى عنه وعن إتيانه؟

فالأولى حمل النشرة التي وردت في حديث سفيان على الإخراج؛ للتوفيق بين الأدلة وهذا ممكن ولله الحمد.

وثانيا: حتى وإن سلمنا أن سؤال عائشة كان عن الذهاب للسحرة, وثبت إقرار النبي للنشرة، فهذا أيضًا لا يرجح الجواز؛ لأن ذلك فيه تعارض بين النصوص مع بعضها، ولا يمكن الجمع والتوفيق بينها؛ وهي حديث عائشة هذا الذي برواية سفيان وحديث جابر الذي رواه أحمد وأبو داود، فعن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن النشرة قال: (هي من عمل الشيطان) وكل منهما دليل خاص .. فعلينا الترجيح بينهما، ومن قواعد الترجيح:

1 -أن الفعل لا يقدم على القول؛ ويقول الأصوليون من باب أولى أن لا يقدم الإقرار على القول, فيرجح بهذا حديث جابر لأنه قولي فيقدم بذلك.

2 -وأيضًا من قواعد الترجيح أخذ ما كان العمل به أحوط, وما لا يتعارض مع ما شهد به القرآن والسنة والإجماع، والذي لا يتعارض أيضًا مع ما عمل به الخلفاء؛ ففي البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر, فلو كان في إبقائهم مصلحة ترجى أو خير يبتغى لما أمر بقتلهم عمر رضي الله عنه!!! فيرجح بهذا حديث جابر

(1) فتح الباري, كتاب الطب, باب هل يستخرج السحر (ص246)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت