ثانيا: يتذرعون بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم النشرة
وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَكثَ النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يُخيَّلُ إليه أنه يأتي أهلَه ولا يأتي. قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني في أمر استفتيته فيه؛ أتاني رجُلان فجلسَ أحدُهما عندَ رجلَيَّ والآخرُ عندَ رأسي، فقال الذي عندَ رِجليَّ للذي عندَ رأسي: ما بالُ الرجُل؟ قال: مَطبوب -يعني مسحورًا- قال: ومَن طبَّه؟ قال: لَبيدُ بنُ أعصَم قال: وفيمَ؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذَكر في مشطٍ ومُشاطة تحتَ رَعوفةٍ في بئرِ ذَروانَ. فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذهِ البئرُ التي أُرِيتها، كأَنَّ رُؤوس نخلِها رؤوس الشياطين، وكأنَّ ماءَها نقاعةُ الحنّاء. فأمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم فأُخرجَ. قالت عائشة: فقلتُ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلا، تَعني تَنشرْتَ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أمّا الله فقد شفاني، وأما أَنا فأكرَهُ أن أثيرَ على الناسِ شرًّا. قالت: ولَبِيدُ بن أعصَم رجل من بني زُرَيق، حَليفٌ ليهود» .
يقول الشعبي: إن في ذلك دلالة على جواز النشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإنكار على عائشة، وهذا دليل على الجواز.
ويؤخذ عليهم في استدلالهم هذا مأخذان:
أولا: أن من الأصول المستقرة عند الأصوليين إذا اختلفت الروايات فإن الجمع بينها أولى, وحملها جميعها على معنى واحد متوافق أولى، والحديث هذا أتى بروايات متعددة ظاهرها الاختلاف حول سؤال عائشة؛ فأتى سؤالها بلفظ: أفلا أحرقته؟ في صحيح مسلم، وعند أحمد بلفظ: أفأخرجته أو استخرجته؟ ولفظ: أفلا؟ أي تنشرت في البخاري, ومدار الحديث على هشام بن عروة , يقول ابن بطال: إن الاعتبار يعطى لسفيان الذي ورد في روايته أن عائشة سألت عن النشرة, فإن الزيادة منه مقبولة؛ لأنه أقواهم في الضبط، ويقول ابن حجر في فتح الباري:"إن سفيان عندما قال: أفلا؟ أي تنشرت، كأنه لم يستحضر اللفظة فذكره بالمعنى، وظاهر هذه اللفظة أنه من النشرة، ويحتمل أن يكون من النشر؛ بمعنى الإخراج فتوافق من رواه بلفظ: (فهلا أخرجته) أي أخرجت ما حواه الجف. ولأن النشر يأتي بمعنى الإخراج، فالأولى أن تحمل الروايات على معنى واحد يعبر عن هذه الألفاظ المتعددة؛ وهو أن سؤالها كان عن إخراج ما احتواه الجف من السحر وإظهاره للناس، فهناك إخراجان أحدهما مثبت والآخر منفي؛ الأول إخراجه من البئر، وهو المثبت؛ ففي الحديث: فأمرَ به النبي صلى"