ودليله أن أهل العلم يستنبطون من وصف أي أمر ما في النصوص بأنه من عمل الشيطان، أن الشارع يريد بذلك النهي عنه:
مثاله قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] .
استفاد أهل العلم التحريم في هذه الآية من وجوه؛ منها قوله تعالى: (من عمل الشيطان) .
يقول القرافي:"قال تعالى: {من عمل الشيطان} فإضافته إلى الشيطان تفيد التحريم في عرف الشرع"ا. هـ [1] .
وقال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن:"قال تعالى: (من عمل الشيطان) ؛ لأن مهما كان من عمل الشيطان حرم تناوله" [2] .
يقول الطيبي: قوله تعالى {من عمل الشيطان} ، وما هو من عمله حرام. [3]
فقال تعالى: (فاجتنبوه) والحكم المقرون بالفاء بعيد وصف يشعر بعليته كما في قواعد الأصول, فالأمور المذكورة في الآية قرنت بعلة واحدة مشتركة فيها اقتضت النهي عن الجميع، فالعلة المجتمعة هي في قوله تعالى:"رجس من عمل الشيطان".
وبدوران العلة يثبت حكم النهي في النشرة؛ لوجود العلة التي اقتضت تحريم كل ما ذكر في الآية السابقة. فالأمر الذي يوصف بعمل الشيطان أو بالرجس يكون حكمه النهي دائمًا؛ سواء نهي كراهة أو نهي تحريم بحسب الحال.
وأيضًا من الأمثلة قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] , يقول ابن جرير:"عن ابن عباس: وَلا يَضْرِبنَ بأرْجُلِهِنَّ، نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان". فالسبب الذي كان من دواعي النهي ذكره لنا ابن عباس, وقول الصحابي حجه .. إذن"عمل الشيطان"كما يظهر هي علة استفاد منها العلماء النهي والترك ...
والرسول صلى الله عليه وسلم ينهانا في أحاديثه عن أمور ويصرح بالسبب: أنها من عمل الشيطان.
وفي صحيح مسلم وعند الإمام أحمد -رحمهما الله- عن أَبي هريرة رضي الله عنه [4] قال: قال رسول الله: «المؤمن القوي خير وأحب إِلى الله من المؤمنِ الضعيف، وفِي كل خير، احرِص علَى ما ينفعك،
(1) القرافي, كتاب الذخيرة، باب الأشربة, ص 116, الجزاء الرابع
(2) الحافظ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري, كتاب الأشربة, (ص/31 ,م/10)
(3) عون المعبود على شرح سنن أبي داود, كتاب الأشربة, (ص/106 ,م/10)
(4) صحيح مسلم، كتاب القدر, مسند الإمام أحمد، في مسند أبي هريرة