... وذكر أشياء من البدع القولية مما نصَّ العلماء على أنها بدع، فصح أن البدع لا تختص بالعقائد.
... وقد تقررت هذه المسألة في كتاب"الموافقات"بنوع آخر من التقرير.
... نعم، ثمَّ معنى آخر ينبغى أن يذكر هنا، وهى:
المسألة الخامسة
... وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلى في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئى من الجزئيات، إذ الجزئى والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، لأن الكليات نص من الجزئيات غير قليل، وشأنها في الغالب أن لا تختص بمحل دون محل، ولا بباب دون باب.
... واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلى، فإن المخالفة فيها أنشأت بين المخالفين خلافًا في الفروع لا تنحصر، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال.
... ويجرى مجرى القاعدة لكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة، عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضًا.
... وأما الجزئى، فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له، كالزلة والفلتة، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين، حيث قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون) . ولكن إذا قرب موقع الزلة، لم يحصل بسببها تفرُّق في الغالب، ولا هدم للدين، بخلاف الكليات.
... فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعًا مخلاًّ بالواضحات -وهى أم الكتاب-، وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته.
المسألة السادسة
... أنَّنا إذا قلنا بأن هذه الفِرَق كفار -على قول من قال به-: أو ينقسمون إلى كافر وغيره، فكيف يعدون من الأمة؟
... وظاهر الحديث يقتضى أن ذلك الافتراق إنما هو مع كونهم من الأمة، وإلا، فلو خرجوا من الأمة إلى الكفر، لم يُعَدُّوا منها البتة، كما تبين.