... ( وأما حديث شفاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في أولئك فالجواب عنه: أنه لا بد من النظر إلى الأحاديث الكثيرة التى صرحت بأنهم من أهل الإيمان وعليهم أثر السجود الذى هو عبارة عن عمل الصلاة وأن الجهنميين(أهل النار) يُعرفون بذلك.
... وفى بعض الروايات أن المؤمنين يشفعون فيمن عرفوه بأنه من أهل الإيمان والعمل في الدنيا، وهذا لا يمنع أن فيه جماعة من الناس لهم أعمال لا يعلم بها إلا الله أخرجهم الله بسببها من النار، حيث ظهرت عليهم علامات إيمانهم وأعمالهم التى قدموها.
... وقوله: (لم يعملوا خير قط) لا ينافى العمل مطلقًا بل قد يكون لهم عمل وإن كان قليلًا إلى جانب إيمانهم وحسناتهم الأخرى فينفعهم ذلك، وهذا مثل أن تقول لشخص: أنت ما عملت شيئًا بعد إتمامه للعمل الذى هو فيه، فإنك لا تنفى وجود عمل ما، ولكن حيث كان العمل غير كامل ولا دقيق ولا يعتبر به -ولو من وجهة نظرك- اعتبرته في عداد من لم يعمل شيئًا وهو أسلوب من أساليب العرب في كلامهم.
... ثم إن هؤلاء معهم إيمان وعمل، ولولا ذلك لكانوا كسائر الكفار والمشركين يخلدون في النار، فلا مزية لخروجهم منها إلا ذلك، وربما أن الله أخرجهم أو أدخلهم الجنة لعزمهم على العمل ومباشرتهم الدخول فيه كما حصل لبعضهم حين أسلم صادقًا مخلصًا ثم دخل المعركة فقتل فشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالجنة، مع أنه لم يظهر منه إلا حسن قبوله للإسلام ودخوله المعركة، ولكن الله اطلع على إيمانه القوى وأَوَّلُهُ بَذْلُهُ نَفْسَهُ للقتل مع المسلمين في سبيل نصرة الإسلام، ولقصر وقته عن أداء الواجبات الأخرى فغفر الله له.
... وكقصة الرجل الذى قتل مائة نفس ثم تداركته رحمة الله فدخل الجنة، ومثله ما وقع للرجل الذى أوصى أن يحرق بعد موته فغفر الله له، فمثل هؤلاء في عزمهم وقوة إيمانهم كمثل الذى عمل، وفرق بين من له رغبة وعزم على العمل وبين من تركه اتكالًا وتكاسلًا.