الصفحة 404 من 677

... فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أن إيمان هذه الجارية ليس مثل إيمان كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وغيرهما من الصحابة السابقين، وإنما أراد الإيمان الظاهر الذى يميز المسلم عن الكافر ابتداءً في المعاملات الدنيوية، ولو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بسؤالها عن الإيمان فقط بأن قال لها: هل أنت مؤمنة وسكت لكان فيه نظر للمرجئة، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سالها عن أشياء أخرى فقد قال لها: (أتشهدين أن لا إله إلا الله. قالت: نعم. قال: أتشهدين أن محمد رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعتقها) [1] .

... وهذه كلها من أعمال الإيمان الباطنة والظاهرة أيضًا. قال شيخ الإسلام عن تمسك المرجئة بهذا الحديث:"وهذا لا حجة فيه، لأن الإيمان الظاهر الذى تجرى عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذى يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة" [2] فظهر أن هذه الأسئلة يريد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ورائها معرفة منزلة هذه الجارية من أحكام الإسلام، وهل تستحق أن يطلق عليها اسم الإيمان أم لا. وليس المقصود انها بلغت في إيمانها إلى حد إيمانه أو إيمان كبار أصحابه.

... وعلى فرض أن الجارية قالت للرسول - صلى الله عليه وسلم - أنا مؤمنة بكل شرائع الإسلام بمعنى مصدقة بها، ولكنى لا أرى فرضية الصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك من شرائع الإسلام. أى لا أرى لزوم عملها بالجوارح على أنها حقيقة الإيمان، بل تطلق عليه مجازًا، فهل كان صدر الرسول - صلى الله عليه وسلم - سينشرح منها ويأمر مولاها بعتقها ويشهد لها بالإيمان [3] .

(1) ... الموطأ ص666.

(2) ... انظر: مجموع الفتاوى 7/209 - 416.

(3) ... انظر لمزيد التفصيل: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامى ص 519، 526.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت