... ( وأما احتجاجهم بقولهم: إن الكفر ضد الإيمان فحيثما ثبت الكفر انتفى الإيمان والعكس.
... فإنه يقال لهم: إطلاق القول بأن كل كفر هو ضد الإيمان ويخرج من الملة مطلقًا ليس صحيحًا على إطلاقه هكذا إلا عند الخوارج في حكمهم على أصحاب المعاصى بالكفر المخرج من الملة، فإن الإيمان درجات، وهو اسم مشترك يقع على معان كثيرة، منها ما يكون الكفر ضدًا له، كأن يعتقد الكفر ويعمل به ويدعو إليه فكفره اعتقادى وهو ضد الإيمان ولا نزاع في هذا.
... ومنها ما يكون الفسق ضدًا له لا الكفر، كترك بعض الأعمال المفروضة مع الاعتراف بوجوبها. ومنها ما يكون الترك ضدًا له لا الكفر ولا الفسق، كترك بعض الأعمال التى هى تطوع إذ لا يصح تسمية التارك لها كافرًا ولا فاسقًا وإنما يسمى تاركًا ومفرطًا في حق نفسه لعدم قيامه بتلك الأعمال التى تزيد في إيمانه [1] .
... وقد يطلق السلف التسمية بالكفر على بعض من يعمل أعمالًا جاء الشرع بإطلاق الكفر عليها ولكنهم يسمونه كفرًا عمليًا لا اعتقاديًا حتى تقام الحجة على صاحبه، كالذنوب التى وردت النصوص بإطلاق الكفر على أهلها، كالزنا والسرقة وشرب الخمر في حق من لم يجحد النصوص الواردة في تحريمها قبل إقامة الحجة عليه ببيانها، فإن السلف يطلقون عليه الكفر تمشيًا مع النصوص، ثم يفصلون بعد ذلك فإذا استحلها ولم يعترف بوجوبها وردَّ النصوص فهو كافر كفرًا اعتقاديًا ظاهرًا وباطنًا.
(1) ... انظر: الفصل لابن حزم 3/212.