الصفحة 314 من 677

... قال الفخر الرازي -في وصيته التي وردت في كتاب: عيون الأنباء-:"ولقد اخترت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمتنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات.. فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله به.. والذي لم يكن كذلك أقول ديني متابعة محمد سيّد المرسلين" [1] .

... وكان أبو المعالي الجويني يقول:"يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به" [2] .

... أما أبو حامد الغزالي فإنه لم يجد له مغنى في [الكلام] ، وكان ذلك مما بعثه على الرجوع في آخر عمره إلى ما كان يرغب عنه، ويرى أنه لا شيء فيه، فأقبل على حفظ القرآن، وسماع الصحيحين، فيقال أنه مات وصحيح البخاري على صدره، ولكنه توفي قبل أن يظهر أثر ذلك في كتبه [3] .

... وأما مؤسس المذهب: أبو الحسن الأشعري، فالغريب أن المنتسبين إليه من المقلدة لا يكادون يلقون بالًا إلى حقيقة أنه رجع بنفسه عن منهج الكلام وعن اعتقادات الأشاعرة، وأقر بانتسابه إلى مذهب الحق الذي يمثله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في عصره وصنف كتابه الأخير على هذا المذهب وهو"الإبانة عن أصول الديانة".

... فكل هؤلاء الأئمة هم من أجلّ أئمة المتكلمين من الأشاعرة، قد ذكروا طريقتهم السابقة، ولو أنها كانت الحق لما زيفوها، وأبانوا عوارها ونقصها، وجعلوا في خاتمة عمرهم يتبرؤون منها ... فياليت المحْدَثين من المنتسبين لفكرهم والمقلدين لهم يعتبرون بهذه الحال.

(1) ... عن القائد في تصحيح العقائد /74.

(2) ... تلبيس أبليس لابن الجوزي /85.

(3) ... والحق أن للغزالي كلامًا طيبًا في قلة غناء علم الكلام في كتابه فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة 79-83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت